الوضع القضائي في زمن مذكرات العمل وغياب المجلس الأعلى للقضاء : إمعان السلطة التنفيذية في تقويض أسس العدالة
إن المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين ومتابعة منه للوضع القضائي العام خلال السنة القضائية 2026/2025
وبناء على مخرجات المؤتمر الخامس عشر لجمعية القضاة التونسيين المنعقد بتاريخ 07 و08 فيفري 2026 والذي عبّر فيه القضاة المؤتمرون عن انشغالهم الكبير جرّاء غياب المؤسسات الدستورية الضامنة لاستقلال القضاء والقضاة وأهمها المجلس الأعلى للقضاء، وتواصل تجميد نشاط المجلس الأعلى المؤقت للقضاء العدلي نتيجة الشغورات الحاصلة في المناصب القضائية العليا وعدم تعويضها منذ سنة 2023 وما انجرّ عنه من إدارة عشوائية للمسارات المهنية للقضاة العدليين وارتهانها عبر مذكرات العمل للإرادة المنفردة لوزارة العدل وكذلك تواصل تعطيل مباشرة الأعضاء الجدد للمجلس المؤقت للقضاء المالي وما انجرّ عنه من شلل تامّ منذ ما يفوق السنة
وبعد رصده مواصلة وزارة العدل إصدار مذكرات العمل المتعلقة بنقلة القضاة من مختلف الرتب بكثافة وبشكل متواتر وخارج كل إطار قانوني بسمح لها بذلك رغم الآثار الواضحة لتلك المذكرات على نجاعة العمل القضائي وعلى حق المواطن في النفاذ إلى عدالة ناجزة كتأثير تلك المذكرات غير القانونية والعشوائية على قدرات القضاة المشمولين بها في أداء أعمالهم نتيجة عدم الاستقرار سواء في مركز العمل أو في الاختصاص
يلاحظ ما يلي
أوّلا: في خصوص مذكّرات العمل
وإذ يذكّر المكتب التنفيذي بالبيانات السابقة الصادرة في الغرض وأهمّها البيان المؤرخ في 09 سبتمبر 2024 الذي كشفت فيه الجمعية عن الاستحواذ الكامل لوزارة العدل على صلاحيات مجلس القضاء العدلي وعملها على السيطرة على السلطة القضائية، والبيان المؤرخ في17 فيفري 2025 الذي بينت فيه الجمعية الوضع الكارثي الذي يعيشه القضاء التونسي جراء الاعتماد المتواصل على آلية مذكرات العمل بشكل غير قانوني بهدف إحداث تغييرات جوهرية في تركيبة المحاكم وكذلك البيان الصادر بتاريخ 07 أكتوبر 2025 الذي كشفت بموجبه الجمعية بسط وزارة العدل قبضتها على القضاة وبينت مخالفة مذكرات العمل للفصل 121 من دستور 2022
وإذ يلاحظ المكتب التنفيذي تواتر صدور مذكرات العمل في الفترة الأخيرة والتي ناهز عددها 1700 مذكّرة والتي تبين بعد تقصّيها واستقرائها أن وزارة العدل قد انتهجت في عدد منها نهج التنكيل والانتقام والعقاب المقنّع، ومن ذلك على سبيل الذكر
1- أنّ عددا من المذكرات شمل بصفة تعسفية قضاة على خلفية نشاطهم النقابي بمناسبة ترشحهم لعضوية المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين وآخرين على خلفية تمسكهم بحريتهم في التعبير والكشف عمّا آل إليه وضع القضاء للرأي العام ومنها ما صدر بسبب تشبث قضاة بحياديتهم واستقلالية قرارهم
2- أنّ عددا من القضاة شملتهم في فترة وجيزة ودون سبب معلوم أكثر من مذكرة عمل، كما أن جزءا منهم تمت نقلته عدة مرات بعيدا عن مقرات سكناهم دون مراعاة لسابقية استجابتهم لمقتضيات مصلحة العمل وعملهم بمحاكم داخلية ودون إخضاعهم لأية معايير موضوعية وإحصائية مع غيرهم من القضاة
3- أنّ عددا من مذكرات العمل اتخذ شكل عقوبات مقنعة وعقوبات مزدوجة مست من الحقوق المكتسبة للقضاة في الدرجات التي بلغوها بالنظر لأقدميتهم والمسؤوليات المسندة لهم فتجاوز مضمونها تبعات العقوبات التأديبية بأن جمعت المذكرة الواحدة بين النقلة من مركز العمل والحط من الدرجة والتجريد من المسؤولية
4- صدور بعض مذكرات على سبيل المحاباة واتخاذها شكل مكافآت لبعض ذلك كإسناد خطة رئيس محكمة ابتدائية وخطة وكيل جمهورية وخطة رئيس دائرة استئنافية لقضاة من الأفواج 15 و16 و17 و18 و19 على حساب زملائهم من الأفواج الأولى والمتقدمة من خريجي المعهد الأعلى للقضاء ودون مراعاة في بعضها لمعايير الكفاءة والأقدمية والاستقلالية
5- أنّ صدور مذكرات العمل بهذه الوتيرة المتزايدة وعلى طول السنة القضائية أضرّ بمصالح المتقاضين من خلال الشغورات التي أحدثتها في عديد المراكز الهامة والحساسة وإفراغها لعديد مكاتب التحقيق دون تعويض وتسببها في حل المفاوضات في الملفات المحجوزة للحكم بسبب نقلة أحد أعضاء الهيئة الحاكمة بما زاد في آجال التقاضي وعطّل توصل المتقاضين بحقوقهم.
ثانيا: في خصوص المناشير الصادرة عن وزيرة العدل المتعلقة بإجراءات سفر القضاة ومشاركاتهم في الندوات والأنشطة العلمية والثقافية
تبعا لإصدار وزيرة العدل المنشور عدد 210 لسنة 2026 المؤرخ في 22/4/2026 المتعلق بتحديد إجراءات مشاركة القضاة في الأنشطة العلمية والثقافية وممارسة نشاط التدريس وربط كل رغبة في المشاركة في أي نشاط علمي أو ثقافي أو كل رغبة في ممارسة نشاط التدريس بالحصول على ترخيص مسبق من وزارة العدل، فإنه يجدر التذكير بأن الفصل 16 من القانون الأساسي للقضاة يقصر شرط الحصول على ترخيص من وزير العدل على نشاط التدريس لا غير ولا يمتد ذلك الواجب إلى حق المشاركة في الأنشطة العلمية والثقافية التي يرغب كل قاض في المشاركة فيها حسب مؤهلاته وميولاته الفكرية والثقافية ويذكّر المكتب التنفيذي أن مضمون المنشور المذكور وفضلا عن عدم مشروعيته فإنه ينبئ عن رغبة واضحة من وزارة العدل في فرض رقابة مسبقة على أنشطة القضاة في كافة المجالات وحرمانهم من حقهم الطبيعي في ممارسة مواطنتهم عبر إثراء المجال العلمي أو الثقافي بمساهماتهم وأرائهم
كما يلاحظ المكتب التنفيذي أن المنشور عدد 208 المؤرّخ في 24 مارس 2026 والمتعلّق بضبط إجراءات سفر القضاة مخالف لأحكام الفصل 39 من القانون الأساسي للقضاة كما وقع تنقيحه بموجب القانون الأساسي عدد 13 لسنة 2012 المؤرخ في 4 أوت 2012 الذي يمنح الحق للقضاة في السفر ومغادرة تراب الجمهوريّة مع فرض واجب إعلام رئيس محكمة مركز عمل القاضي لا غير، وعليه فإنّ كل شرط أو إجراء يفرضه المنشور المذكور يعدّ بدون أثر وغير ملزم للقضاة ويعتبر المكتب التنفيذي أنّ مضمون المنشور إنما يهدف إلى التضييق على القضاة وفرض رقابة غير قانونية على حقهم الدستوري في التنقل داخل الوطن وخارجه
وعليه فإنّ المكتب التنفيذي
أولا: يؤكّد أن مذكرات العمل الصادرة عن وزيرة العدل علاوة على ما يشوبها من خروقات قانونية واضحة فقد تردّت بوضع القضاة التونسيين من حيث الضمانات المهنية إلى وضع غير مسبوق من عدم الاكتراث بأوضاعهم الأسرية والصحية وسلامتهم الجسدية بإرغامهم على التنقل للعمل بمحاكم تبعد مئات الكيلومترات عن محلات سكناهم
ثانيا: يوضّح أن تأثيرات تلك المذكرات تتجاوز شخص القاضي المعني بها لتشمل أغلب القضاة الذين أضحوا يعيشون بدورهم تحت وطأة الترقب في ظل غياب الضمانات بما يجعلهم عرضة للضغط والترهيب وبما من شأنه أن ينعكس سلبا وبشكل خطير على استقلاليتهم وأدائهم المهني نتيجة ارتهان مسارهم المهني بقرار اعتباطي وانفرادي من وزارة العدل
ثالثا: ينبّه أن تواتر المذكرات وكثرتها قد تجاوز حد المساس من حقوق القضاة لينال بشكل واضح وخطير من حقوق المتقاضين دون اكتراث لذلك من طرف وزارة العدل بعد أن تبين أنها لا تستند في غالبيتها إلى مبررات موضوعية متصلة بمصلحة العمل أو حاجيات المحاكم من الإطار القضائي، بما ترتب عنه إغراق محاكم بعدد من القضاة يفوق عن حاجتها مقارنة بمحاكم أخرى تشهد ارتفاعا في عدد القضايا المنشورة بها، كما أن صدور مذكرات العمل طوال السنة القضائية وبهذا الكم الهائل وبقاعدة نفاذ حينية أدّى إلى العبث بحسن سير مرفق العدالة وبحقوق المتقاضين وأدخل اضطرابا على سير عمل الدوائر القضائية بمختلف الدرجات وفي سائر الاختصاصات وأثر بشكل كبير على الفصل في القضايا في أحسن الآجال وأجحف بحق المتقاضين في عدالة ناجزة
رابعا: يطالب السلطة التنفيذية باحترام الدستور والقانون والتوقف عن التعدي عليهما في علاقة بالصلاحيات الراجعة بالنظر للمؤسسات الدستورية المشرفة على القضاء كالتوقف عن التدخل بأي شكل كان في المسارات المهنية للقضاة احتراما لمبدأ الفصل بين السلط
خامسا: يلاحظ أنّ السنة القضائية 2025/2026 شارفت على نهايتها وكان يفترض في الوضع العادي أن تكون هاته الفترة مخصصة لإعداد الحركة القضائية السنوية من قبل المجلس الأعلى للقضاء عبر دراسة المعطيات الإحصائية واحتياجات المحاكم حسب كل درجة وصنف ونشر جدول الكفاءة للترقية من رتبة إلى أخرى كنشر الخطط القضائية وفتح باب الترشح والتناظر بين القضاة وفق المعايير المضبوطة بالقرارات الترتيبية الصادرة عنه، إلا أنه يعاين بكل أسى غياب الحركة العادية التي تعوّد عليها القضاة والتي يفرضها القانون وتفرضها المعايير الدولية لاستقلال القضاء ويجدّد مطالبته بضرورة إرساء المجلس الأعلى للقضاء بكل مكوناته باعتباره الضامن الأساسي لحسن سير القضاء واستقلالية السلطة القضائية، ومنه مجلس القضاء العدلي كجهة وحيدة مخولة للنظر في المسار المهني للقضاة العدليين من تسمية وترقية ونقلة وتأديب وبغاية الإعداد لحركة قضائية مغيبة بفعل السلطة التنفيذية للسنة الثالثة على التوالي
سادسا: يطالب وزارة العدل بوقف نهجها التسلطي الذي تطور بشكل خطير من مرحلة الإفراط في السلطة إلى مرحلة الإفراط في التعسف، كما يجدّد مطالبته السلطة السياسية بمراجعة سياستها في التعاطي مع السلطة القضائية طبق ما يضمنه القانون والمعايير الدولية لاستقلال القضاء
سابعا: يسجّل تواصل عدم إصدار أمر ترقية ستين قاضيا من المحكمة الإدارية من دفعة 2017 وأحد عشر قاضيا من دفعة 2018 رغم مصادقة مجلس القضاء الإداري عليها وإحالتها على رئيس الجمهورية منذ أوت 2024 وأوت 2025 كعدم إصدار أمر إحداث دائرتين ابتدائيتين وعدم تسديد عديد الشغورات في الدوائر الابتدائية والاستئنافية والتعقيبية مما تسبب في المساس بحقوق القضاة الإداريين وتعطيل مسارتهم المهنية
ثامنا: يسجّل تواصل تعطيل السلطة التنفيذية إصدار تسمية الرئيس الأول لمحكمة المحاسبات بالرغم من استكمال إجراءات اقتراح التسمية من قبل المجلس المؤقت للقضاء المالي منذ نوفمبر 2022 وبقاء المحكمة بدون رئيس أول لمدة فاقت الثلاث سنوات والشلل التام على صعيد المجلس المؤقت للقضاء المالي منذ ما يفوق السنة بسبب تعطيل مباشرة أعضائه الجدد الذين تمت تسميتهم بالحركة القضائية 2024- 2025 مما نتج عنه تعطيل ممنهج للقضاء المالي وفق مقتضيات استقلاليته المضمنة بالقانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 باعتباره جهازا أعلى للرقابة على حسن التصرف في المال العام وفق ضمانات المعايير الدولية المستوجبة
تاسعا: يسجّل بارتياح ويثمّن تمسك عدد من القضاة المشمولين بالنقل التعسفية بحياديتهم واستقلالية قراراتهم ويجدّد دعوته لكافة القضاة للاعتصام بنبل رسالتهم والتقيّد بتطبيق القانون دون اكتراث للضغوطات المسلطة عليهم حفظا لكرامتهم وصونا لحقوق المتقاضين وحرياتهم، كما يجدد دعوته لالتفاف القضاة حول جمعيتهم وإعلامها بكل ما يطالهم من مضايقات وتعسف
تونس في: 25 ماي 2026
عن المكتب التنفيذي
رئيس الجمعية
أنس الحمادي

