قال إن الجيش الوطني جيش جمهوري محايد قائم على الانضباط ملتزم بقوانين الدولة والتراتيب العسكرية وخادم لمصلحة الوطن العليا
لكنه لم يقل إنه حارس للشرعية السائدة… وللدستور
ولم يقل إنه ذراع سياسي لأي سلطة
ولم يقل إنه جزء من معركة تأويل “المسار” أو الدفاع عنه
وهنا بالذات تكمن قوة البلاغ وغموضه في آن واحد
فهو يقول للمعارضة: لا تراهنوا على الجيش… فلكم محطة قادمة في 2029 لمن استطاع إليها سبيلا…..مع كامل الحياد
ويقول للسلطة: لا تتحدثوا باسم الجيش
ويقول للجميع: الجيش للدولة لا للأشخاص ولا للسرديات ولا للتجاذبات
لكن هذا الكلام على وجاهته يعيدنا بالضرورة إلى منعرج 25 جويلية 2021
فربما كانت أكبر مأساة ذلك المنعرج…. الشعب التونسي بقواه الحية ونخبه وجزء من طبقته القانونية والسياسية تعامل مع وضع خطير بسذاجة سياسية منقطعة النظير…..لم يرى خطرا في المسألة وتعامل معها بكامل العقلية …..الديمقراطية
كثيرون نظروا للفصل 80 وكأنه وصفة خلاص وطبلوا لـ“تصحيح المسار” وشرحوا “الخطر الداهم” واعتبروا أن الاستثناء يمكن أن يكون بابا للإنقاذ
لكن الصورة كانت أوضح من كل الندوات والتأويلات
والفصل 80 الذي قيل إنه طبق كان ينص صراحة على بقاء مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم….. فكيف يصبح “الانعقاد الدائم” بابا موصدا؟ وكيف تتحول مؤسسة منتخبة إلى فضاء ممنوع الولوج إليه؟
فظهر المنظرون والمفسرين واطلق على بعضهم كبير المسفرين و منحوا جميعا غطاءا نظريا ودستوريا طمأنوا الناس إلى أن الاستثناء قابل للترويض… ومنهم من هم أصدقائي اليوم!!…كل ذلك في مناخ اعلامي حر لم يكن يعلم اصحاب الشأن فيه ان ايام حريتهم كانت معدودة …الى حين ان تستب الامور لتلك اللحظة
لقد خلط كثيرون بين كراهية المنظومة السابقة وهي كريهة كانت لا ريب، وبين التسليم المطلق للماسك بالسلطة… حاد ولم يتصد له أحد كما وعدونا بذلك!! وخلطوا بين نقد الديمقراطية الرديئة وبين هدم ضمانات الديمقراطية ذاته بين البحث عن تصحيح سياسي وبين فتح الباب أمام سلطة بلا توازنات ولا رقابة… بل أمام فتح باب جهنم في وجه من هم في السجن الآن ومن هم على القائمة اللاحقة
فمن باب الذاكرة السياسية وبعيدا عن كل مزايدة في حق المؤسسة العسكرية، يبقى السؤال قائما ….كيف نقرأ اليوم حديث الحياد والجمهورية على ضوء ذلك المشهد الذي ظل عالقا في الذاكرة الجماعية ؟؟
وهل يكفي الانضباط العسكري وحده لتفسير فعل كان أثره السياسي والدستوري هو ما نعيشه اليوم؟
إذن لم يكن ذلك فقط منعرج رأس السلطة
كان أيضا منعرج سقوط جزء من النخبة في وهم أن الاستبداد يمكن أن يبدأ مؤقتا وأن السلطة المطلقة يمكن أن تبقى مهذبة بمجرد حسن الظن بها… وبماسكها
وحين يقول البلاغ إن الجيش للدولة والوطن ومصلحة تونس العليا فإن الجملة الغائبة تبقى هي الأهم
الجيش ليس حارسا للشرعية السائدة ولا ذراعا لأي سلطة ولا شاهد زور على أي تأويل سياسي للدستور
فهل كان ذلك مجرد اقتصاد في اللغة؟
أم أن الصمت هذه المرة أبلغ من الكلام؟
فهل بهذا البلاغ فتحت نافذة أم به اغلقت جميع النوافذ؟؟
مع كامل الود والحياد
الأستاذ نافع العريبي

