حديث الغيبة تُطلب فلا تدرك

أثارت غيبة الرئيس عن صفحته في الفايسبوك تساؤلات كثيرة، ورافقتها تكهنات وإشاعات، إلى أن ظهر فجأة في شوارع مدينة أريانة، وألقى بتصريح لا جديد فيه لوكالة تونس افريقيا للأنباء. جدّد فيه القول بأن الدولة لا تدار بالتدوينات، وأن مطالب المواطنين تحتاج حلولا وطنية، وأن الشباب قادم ليأخذ مكان المتقاعسين من المنتسبين للإدارة العمومية، وأن النجاح حليفنا رغم النعيق

لقد أصبح الزمن السياسي مرتبطا بإيقاع الرئيس. وهذا لم يحدث من قبل إلا في نهاية عهد الزعيم الحبيب بورقيبة، وقد كان للنظام الرئاسي الآيل للسقوط آنذاك إيقاع منظم جعله يسير كبندول الساعة بحرص مما تبقى من مؤسسات الدولة حول الرجل المريض. وكانت نشرة الأنباء تطمئن الجمهور يوميا على صحة الرئيس الجيدة إلى أن أمضى سبعة أطباء على عكس ذلك، ونقل فجرا على متن طائرة عمودية إلى قصر مهجور

أما اليوم، وبعد أربعين عاما، فرغم عودة البلاد سياسيا إلى نقطة الصفر، فإن الإيقاع الرئاسي صار غامضا مزاجيا بطيئا واعتباطيا، ولا يحرص أحد على توازنه ولو شكليا، فلا ندري لماذا غاب الرئيس ولماذا ظهر؟ ولا يفسّر لنا أحد لماذا ذهب إلى أريانة بدل الذهاب إلى سيدي رزيق أو جبل الجلود، ولماذا تكلم لميكروفون وكالة الأنباء من الشارع، بينما كان يمكن أن يفعل ذلك بكل بساطة من حديقة قصره أو من مكتبه

لقد أدى تهميش مؤسسات الجمهورية، والتنكيل بالأحزاب في انتظار أن تضمحل من تلقاء نفسها (كما قال الرئيس سابقا)، و تعقب الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني بالعقوبات، وحل المجالس البلدية وخنق حرية التعبير، إلى اختزال السياسة في شخص الرئيس. فضلا عن تعمّده إبقاء آليّات الخلافة المنصوص عليها في الدستور مستحيلة، هذا ما يفسّر اهتمام الناس بصحّته وتكاثر الإشاعات حولها، لأن الخوف من المجهول والفوضى أمر طبيعي وليس نعيقا

لكن البوصلة الرئاسية مثلما يبدو من التصريح المدلى به تبدو كالعادة خارج نطاق المزاج الشعبي وتوقعات الناس، فبينما ينتظر الجميع قرارات حاسمة وفورية للتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية يتحدث الرئيس عن (الالتحام بالشعب) وعن (المطالب) وكأن الأمر يتعلق بمشاغل الأفراد لا بهمّ وطني، وكأنما مسؤولية أعلى هرم السلطة الرد على الشكاوى والتقارير بدل الانكباب على وضع الخطط الشاملة. لقد تقلّصت الرئاسة في مرحلة (القطع مع المنظومة) إلى ما يشبه مكتبا للعلاقات مع المواطن في إدارة عمومية صغيرة، بدل أن تكون العقل المدبر للتغيير الاستراتيجي والقلب النابض للمجتمع الحي

حريّ بالرئيس الآن أن يقوم بنقد ذاتي صارم وهو يعاين كيف أصبح غيابه مثيرا للاهتمام، عسى أن يتدارك الأمر في ربع الساعة الأخير، ويعيد الأمور إلى نصابها، يحتاج ذلك إقرارا شجاعا بالفشل، فحالة الاختناق السياسي وانسداد الأفق الناتجين عن البناء القاعدي وما رافقه من حلول اقتصادية هلامية، فضلا عن طغيان الكراهية والحقد الطبقي والعنف تعني أن المجتمع التونسي صار قنبلة موقوتة لن تبقي ولن تذر، إذا لم يسحب فتيلها في الوقت المناسب

بقلم عامر بوعزة