كفانا خوفا … اسم زياد الهاني لن يختفي

أثار مقال غير ممضى نُشر بجريدة « الصحافة اليوم » حول قضية التسريبات استياء واسعا في أوساط الأسرة الصحفية، بسبب عدم ذكر اسم زميلنا المعتقل زياد الهاني، رئيس التحرير السابق بالجريدة، والاكتفاء بالإشارة إليه بصفة « إعلامي »، رغم أنه حوكم في القضية المذكورة بأربع سنوات سجنا

إن إسقاط اسم زياد من المقال عزز القناعة الراسخة بعودة مقص الرقابة، وبأن الرقابة الذاتية التي بدأ نظام الحكم في ترسيخها باتت تهيمن على تفكير عدد من الصحافيين، وخاصة في مختلف مؤسسات الإعلام العمومي، بما أفضى إلى تشويه أبجديات أخلاقيات المهنة الصحفية ومعايير العمل الصحفي الاحترافي

كان هذا المشهد الصحفي القاتم متوقعا في ظل السياق السياسي الراهن، الذي يتسم بانتهاك الحريات العامة والفردية وضرب المعايير الدولية للمحاكمة العادلة والتضييق على الفضاء المدني والسعي المحموم إلى تقويض المكاسب الحقوقية والحريات التي راكمها الشعب التونسي وقدم من أجلها التضحيات والشهداء. وهو ما يؤكد إصرار السلطة القائمة على تكريس الحكم الفردي المطلق

كما أعادت قضية مقال جريدة « الصحافة اليوم » وإسقاط اسم زياد الهاني إلى الواجهة مسألة التضامن والتآزر بين الزميلات والزملاء الصحافيين، وقيم الدفاع عن حرية الصحافة، فضلا عن معركة استقلالية مرفق الإعلام العمومي، وما تقتضيه من إصلاح حقيقي على المستويين الهيكلي والتنظيمي، وكذلك على مستوى جودة المحتوى، حتى يكون هذا المرفق مستقلا بالفعل، بعيدا عن كل اصطفاف سياسي، ووفيا لحق الجمهور في إعلام حر ونزيه وتعددي

شخصيا، اختلفت مع زياد في عديد المحطات، قبل الثورة وبعدها، سواء بشأن العمل النقابي داخل النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، أو في ما يتعلق بالمواقف من المجتمع المدني، ومنه الاتحاد العام التونسي للشغل. لكن، مهما تباينت تقديراتنا واختلفت مواقفنا بشأن المشهد السياسي والمدني في تونس، فلا يمكن أن تتحول هذه الاختلافات إلى تعارض أو صراع أو تآمر حول القيم الحقوقية والإنسانية الكونية. بل إن هذه القيم تفرض علينا تعزيز جهودنا المشتركة والنضال معا ضد الاستبداد وأعداء الحقوق والحريات

إن الوضع الذي تعيشه صحافتنا لم تعرفه حتى خلال فترات الدكتاتوريات التي حكمت بلادنا، وهو وضع بالغ الخطورة، في ظل الاعتقالات والمحاكمات والملاحقات وسياسات التخويف والترهيب. لذلك، فإن المعركة ضد أعداء حرية الصحافة في تونس تتطلب وعيا أكبر، وشجاعة أقوى، ووحدة أكثر صلابة من أي وقت مضى، إلى جانب ضرورة التنبه إلى عناصر الاختراق داخل قطاعنا، المرتبطة بالأجهزة والسلطة، والتي تسعى جاهدة إلى بث الفتنة وتغذية الانقسامات الوهمية، بما يعمق هشاشة الصحافة التونسية ويضعف قدرتها على الدفاع عن استقلاليتها وحريتها

كفانا خوفا ورعبا… اسم زياد الهاني، كما أسماء بقية زملائنا المعتقلين والمنفيين والملاحقين، لن تسقط من الذاكرة ولن تمحى من صفحات التاريخ. بل ستظل حاضرة، وسيبقى بريقها شاهدا على زمن الخوف وعلى من امتلكوا شجاعة مواجهته

صبري الزغيدي