أوقفوا تقتيل النساء… أوقفوا حوادث النقل غير الآمن

حماية النساء مبدأ دستوري والتزام سياسي وقانوني لا يقبل التفويت

تتابع الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات ببالغ الغضب والأسى والاستنكار تواصل جرائم قتل النساء وارتفاع حوادث النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات، وارتفاع منسوب العنف المبني على النوع والجريمة في بلادنا، إذ لم يعد يمرّ أسبوع دون أن نستفيق على فاجعة جديدة تُزهق فيها أرواح نساء، وكأن حياة النساء أصبحت مستباحة، وكأن الموت صار قدراً يلاحقهن في الفضاء الخاص والفضاء العام وكافة الأماكن العمومية

وإذ تسجّل الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بكل ألم وغضب الحادث الخطير الذي تعرّضت له مؤخرا العاملات الفلاحيات بولاية جندوبة إثر انزلاق الشاحنة التي كانت تنقلهن إلى حقول عملهن واصطدامها بشاحنة أخرى بالطريق الجهوية عدد 59 الرابطة بين معتمدية بوسالم وجندوبة عبر بلاريجيا، مما أسفر عن إصابة سائق الشاحنة و11 عاملة فلاحية بإصابات متفاوتة الخطورة، استوجبت الاحتفاظ بعدد منهن بالمستشفى الجامعي بجندوبة لتلقي العلاج اللازم، فإنها تذكّر بأن حوادث النقل غير الآمن مستمرة ومتكررة رغم صدور قانون خاص بنقل العاملين والعاملات في القطاع الفلاحي عدد 51 لسنة 2019، إذ تشير المعطيات المتوفّرة إلى تسجيل 19 حادثاً من 2024 الى اليوم خلّفت 10 ضحايا ونحو 190 جريحاً وجريحة

إن ما تتعرض له العاملات الفلاحيات في شاحنات الموت التي لا تزال تحصد أرواح النساء في عديد الجهات التي تنشط فيها الأعمال الفلاحية يمثل وجهاً صارخاً من وجوه التهميش والاستغلال والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية وغياب الحماية الاجتماعية. ففي كل موسم فلاحي نحصد أرواحاً أكثر مما نجني من الإنتاج وندفع من حياة النساء ثمن الفقر والهشاشة وغياب شروط العمل الكريم. فإلى متى تظل حياة العاملات الفلاحيات رهينة وسائل نقل غير آمنة؟ وإلى متى يستمر التعامل مع أرواحهن باعتبارها خسائر جانبية لا تستوجب سوى بيانات التعزية والوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ؟

إن تواصل هذه الحوادث رغم الالتزامات والتشريعات المعلنة يكشف عن إخلال السلطات العمومية بمسؤولياتها في ضمان الحق في الحياة والسلامة الجسدية وظروف العمل اللائقة والآمنة، ويؤكد خطورة استمرار السياسات التي تترك العاملات الفلاحيات في مواجهة مخاطر يومية تهدّد حياتهن وكرامتهن. وإلى جانب هذه المآسي تتواصل جرائم العنف المسلط على النساء، وخاصة العنف الزوجي وتقتيل النساء، وهو ما يؤكد ضعف الحماية القانونية التي أقرها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 في ظل مجتمع ذكوري يكرّس سلطة الأقوى ويبرّر أشكالا متعدّدة من العنف والاعتداءات والتعذيب والتنكيل بالنساء التي تتغذى فيه الجريمة من الإفلات من العقاب وتبرير العنف المبني على أساس الجنس-النوع

إن جرائم العنف وتقتيل النساء وحوادث النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات وانتهاكات الحقوق الإنسانية ليست أحداثاً معزولة أو وقائع منفصلة بل هي حلقات في سلسلة متراكمة من العنف والتهميش والإقصاء، تكشف عن خلل في تطبيق القوانين، واستهتار بالقيم الإنسانية والأخلاقية، وقصور في السياسات العمومية التي تستهدف حماية النساء وضمان حقهن في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية والوقاية من كافة أشكال العنف

كما أن الجريمة البشعة التي أودت بحياة أمّ شابة في منطقة جبل الجلود يوم 02 نوفمبر 2026، تكشف عن تعرّض الضحية إلى عنف زوجي متكرّر ومتنوّع وسط مناخ اجتماعي اعتاد التطبيع مع العنف، كما أن هذه الجريمة ليست منفصلة عن سلسلة جرائم تنتهك فيها حقوق النساء، وتغيب فيها المعطيات الدقيقة والمؤشرات الإحصائية التي يفترض أن يوفّرها مرصد مناهضة العنف ضد المرأة بهدف أن تتوجّه سلطة الإشراف إلى بلورة السياسات الناجعة وترسم خطط عمل متعدّدة الأهداف تستهدف القضاء على كافة أنوع العنف المبني على أساس الجنس. وهو ما يجعل من السياسات العمومية محض نصوص قانونية غير مطبقّة أو يضعف تطبيقها، ويحوّلها إلى خطابات سياسة مفرغة من الفعل، وبرامج إعلام وتكوين وتعليم وتربية على حقوق الإنسان ومبادرات شكلية لا تنعكس على الواقع المعيش والسلوك اليومي والعلاقات بين الأفراد، فالتربية على حقوق الإنسان لا تكتمل إلا بترسيخ ثقافة العدل والمساواة والاحترام المتبادل والاعتراف بحق كل إنسان في الحياة والكرامة والسلامة بعيداً عن كل أشكال العنف والتمييز والهيمنة

إن الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إذ تعبّر عن حزنها العميق وغضبها الشديد إزاء ارتفاع جرائم العنف والتمييز الجنسي وحوادث نقل العاملات الفلاحيات، فإنها

– ترفض رفضاً قاطعاً صمت السلطات وتراخيها أمام التكرار المتواصل لجرائم تقتيل النساء والعنف المسلط عليهن وحوادث نقل العاملات الفلاحيات، وتعتبر أن استمرار هذا الوضع يمثل انتهاكاً صارخاً لحق النساء في الحياة والأمان والكرامة واعتداء على الحرمة المعنوية والجسدية وحقوق المواطنة الفعلية

– تحمّل الدولة مسؤوليتها السياسية والأخلاقية والقانونية في الوقاية من العنف وحماية النساء ووضع حد لكل أشكال التهاون والتطبيع مع العنف والجريمة والإفلات من العقاب

– تعتبر أن غياب المؤشرات الإحصائية الخاصة بالعنف المسلط على النساء وبجرائم تقتيل خللا واضحا في تطبيق القانون عدد 58-2017 ومؤشرا عن عدم التوجّه الفعلي إلى بناء الاستراتيجيات الوطنية في مجال الحماية والوقاية من العنف

– تطالب بفتح تحقيق جدي وشفاف في حادث العاملات الفلاحيات بجندوبة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو إخلاله بواجباته، وبالتكفل التام بالعاملات المصابات وضمان العلاج والإحاطة الصحية والنفسية والاجتماعية اللازمة لهن مع تمكينهن وعائلاتهن من التعويض العادل عن الأضرار التي لحقت بهن

– تتساءل عن غياب النصوص الترتيبية الخاصة، بالمرسوم عدد 51 لسنة 2019 المتعلّق بإحداث نقل العملة الفلاحيين، والمرسوم عدد 04 لسنة 2024 المتعلّق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات بما يتيح تطبيقهما، وتطالب بالإسراع في إصدار هذه النصوص والتنفيذ الفوري والفعلي للتعهدات المتعلّقة بحماية العاملات الفلاحيات ووضع حد لمأساة نقلهن في وسائل غير آمنة وضمان نقلهن في ظروف تحفظ سلامتهن وكرامتهن

– تدعو إلى توفير شروط العمل الكريم والحماية الاجتماعية والاقتصادية للعاملات الفلاحيات وإنهاء كل أشكال الاستغلال والتهميش التي تهدد حياتهن وحقوقهن

– تطالب بتطبيق شامل للقانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة وتطبيق كافة أحكامه وضمان الموارد البشرية والمادية اللازمة لتنفيذه من خلال تخصيص موازنة مالية خصوصية في ميزانية 2027 الجارية

وإذ تثمن الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات دور الوحدات المختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة، فإنها تدعو وزارة الداخلية إلى مواصلة تركيز هذه الوحدات في كافة مراكز الأمن والحرس الوطني وتوفير الإمكانيات الضرورية لها من أجل مواصلة قيامها بدورها في حماية النساء ضحايا العنف، وضمان التدخل السريع والفعال للحد من تعرّض النساء لخطر العنف المسلط عليهن. كما تطالب القضاء بالاضطلاع بدوره في مجال توفير قرارات الحماية واختصار آجالها وكشف الحقيقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا وعائلاتهن في إطار محاكمات عادلة تضمن تطبيق القانون وعدم الإفلات من العقاب

إزاء ارتفاع منسوب جرائم العنف المسلط على النساء، بما في ذلك، العنف الرقمي الذي يستهدف بالخصوص المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، تدعو الجمعية كافة مكونات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية والتقدمية والحقوقية والنسوية إلى التحرك العاجل وتوحيد الجهود والمواقف من أجل نشر ثقافة المساواة ومناهضة جرائم العنف والعمل على اعتبار جرائم تقتيل النساء جرائم خصوصية في القانون الجزائي التونسي الذي يستوجب المراجعة وتعديل عدد من فصوله، والضغط والمطالبة بتطبيق القوانين وإصدار النصوص الترتيبية العالقة لحماية العاملات الفلاحيات

إن حياة النساء ليست تفصيلاً عابراً ولا أرقاماً في سجلات الحوادث والجرائم

فكل امرأة تعنّف أو تُقتل هي حياة تُنتزع أو تنتهك وأسرة تُفجع ومجتمع يُهزم أمام العنف والظلم

وكل عاملة فلاحية تُصاب أو تفقد حياتها وكل امرأة تتعرّض للعنف والتمييز: هي ضحية منظومة اجتماعية وسياسات عمومية لم تنجز ولا تضمن، بشكل فعلي، الحقوق الإنسانية للنساء

عن الهيئة المديرة
الرئيسة، رجاء الدهماني
تونس في 03 نوفمبر 2026