في تونس ، أصبح المريض رهينة أزمة مالية لا ذنب له فيها

بعد تعليق العمل بين الصيدليات الخاصة والكنام
عندما تتعثر منظومة التأمين الصحي، يصبح المريض رهينة أزمة مالية لا ذنب له فيها

1. إن قرار الصيدليات الخاصة تعليق العمل بالاتفاق مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، بسبب تأخره في سداد مستحقاتها، لا يمثل مجرد خلاف مالي بين طرفين، بل يكشف عن أزمة عميقة في منظومة الحماية الاجتماعية والصحية في تونس

فالمواطن التونسي يجد نفسه اليوم في مواجهة وضع بالغ الصعوبة: الصيدليات تطالبه بدفع ثمن أدويته نقداً، بعدما كانت تُمكّنه من الحصول عليها في إطار منظومة التكفل وتأجيل الاستخلاص إلى حين تسوية مستحقات الصيدليات من طرف الكنام

والنتيجة أن المريض أصبح يدفع ثمن إخلال لم يكن مسؤولاً عنه، ويتحمل تبعات تأخر مؤسسة يفترض أن تكون ضمانته في مواجهة المرض وتكاليف العلاج

2. لا يمكن الاستهانة بالآثار الاجتماعية لهذا الوضع. فالمتضررون ليسوا فقط من الفئات محدودة الدخل، وإن كانت الأكثر هشاشة وعجزاً عن توفير المبالغ المطلوبة، بل إن الطبقة الوسطى نفسها أصبحت تجد صعوبة متزايدة في مجابهة النفقات الصحية، في ظل التآكل المتواصل للمقدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة

وتزداد خطورة الأزمة عندما نضعها في سياق آخر لا يقل أهمية: فقد تراجعت، بل ضاقت إلى حد كبير، الحلول التي كان يلجأ إليها المواطن سابقاً لتجاوز صعوباته المالية، وخاصة تسهيلات الدفع والشراء بالصكوك، بعد دخول التشريع الجديد المتعلق بالشيكات حيز التطبيق وما رافقه من تشدد في استعمالها

وهكذا يجد المواطن نفسه محاصراً بين ثلاثة ضغوط: ارتفاع تكاليف العلاج، وتعطل آلية التكفل بالدواء، وتراجع إمكانيات الدفع المؤجل

3. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل يجوز أن يتحول خلاف مالي بين الكنام والصيدليات إلى أزمة يتحمل المريض وحده كلفتها؟

إن الكنام ليست مجرد مؤسسة إدارية، بل هي إحدى الركائز الأساسية لمنظومة التضامن والحماية الاجتماعية. ومن واجبها الوفاء بالتزاماتها تجاه المتعاملين معها، كما أن من حق الصيدليات الخاصة الحصول على مستحقاتها في آجال معقولة حتى تتمكن من مواصلة نشاطها

لكن المريض لا ينبغي أن يكون الحلقة الأضعف التي تُحمّل في كل مرة تبعات اختلالات التسيير والتمويل

4. إننا أمام قضية تتجاوز مسألة توفير الأدوية إلى سؤال أعمق يتعلق بمفهوم الدولة الاجتماعية ومصداقية منظومة الحماية الصحية: ما قيمة الحق في العلاج إذا كان المواطن عاجزاً عن دفع ثمن دوائه؟ وما معنى التغطية الاجتماعية إذا أصبحت الاستفادة منها مرتبطة بقدرة المريض على التسبيق النقدي؟

إن الحق في الدواء ليس امتيازاً، ولا يجوز أن يصبح رهينة لأزمة سيولة أو خلافات مالية بين المؤسسات

5. المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالتصريحات والوعود، بل إيجاد حل عاجل لتسوية مستحقات الصيدليات، وإعادة العمل بمنظومة التكفل، ووضع آلية مالية تضمن عدم تكرار هذه الأزمة

فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، وإنما بقدرتها على حماية المواطن عندما يكون في أضعف حالاته: عندما يمرض، ويحتاج إلى الدواء، ولا يملك ثمنه

رضا الشكندالي