توقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق ليبي برعاية أممية وسط تحذيرات من إعادة إنتاج الانقسام

وقّع أعضاء اللجنة الليبية المصغرة للحوار، المعروفة بصيغة «4+4»، بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي المتعلقة بالانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية، في خطوة وصفتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بأنها تمثل تقدماً في تنفيذ المرحلتين الأوليين من خارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء حالة الانسداد السياسي المستمرة في البلاد

وجاء التوقيع خلال اجتماع اللجنة، الخميس، في العاصمة التونسية، برعاية الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه. واتفق أعضاء اللجنة على عقد اجتماع جديد داخل ليبيا قبل نهاية أوت الجاري، لبحث الترتيبات المرتبطة بتنفيذ الاتفاق والإعلان عنه رسمياً

وتضم اللجنة أربعة أعضاء يمثلون حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وأربعة يمثلون قيادة القوات في شرق البلاد. وكانت البعثة الأممية قد لجأت إلى هذا المسار المصغر بعد تعثر التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن القاعدة القانونية المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهي الخلافات التي حالت دون إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر 2021

وتتولى اللجنة، ضمن مهامها، معالجة عدد من الملفات المرتبطة بالعملية الانتخابية، من بينها إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات واختيار رئيس جديد لها، إلى جانب صياغة القوانين الانتخابية التي ظلت موضع خلاف بين الأطراف السياسية في شرق البلاد وغربها

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت في السابع من جويلية الماضي أن اللجنة استكملت مناقشة القضايا العالقة واتفق أعضاؤها على تكليف فريق عمل بصياغة الاتفاق النهائي. غير أن أعمال اللجنة تأخرت عن الموعد الذي كان محدداً لتوقيع محاضر التفاهم، من دون أن تقدم البعثة أو أعضاء اللجنة توضيحات تفصيلية بشأن أسباب التأخير

ويأتي التوقيع الأخير في إطار خارطة الطريق التي أعلنتها هانا تيتيه في أوت 2025، والتي تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية: وضع إطار انتخابي سليم فنياً ومقبول سياسياً لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وتوحيد المؤسسات عبر تشكيل حكومة موحدة جديدة، ثم تنظيم حوار سياسي مهيكل يضم مختلف الأطراف والمكونات الليبية

تحفظات من المجلس الرئاسي

وبالتوازي مع إعلان التوقيع، برزت تحفظات من داخل مؤسسات الدولة الليبية بشأن مضمون المسودة وطريقة إعدادها. فقد انتقد رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي الاتفاق، معتبراً أن الغموض الذي أحاط ببعض تفاصيله «يناقض الشفافية» التي يفترض أن تحكم أي مسار ترعاه الأمم المتحدة

وقال المنفي إن نجاح أي توافق سياسي يظل مرتبطاً بوضوح أساسه القانوني واختصاصاته، واحترام المرجعيات الدستورية، وقدرته على الصمود أمام الطعون القانونية وعلى التنفيذ والاستمرار

وحذر رئيس المجلس الرئاسي من أن ليبيا لا تحتاج إلى ترتيبات جديدة تعيد إنتاج الخلاف أو تقوم على تقاسم المواقع والنفوذ، وإنما إلى توافق وطني يحافظ على مؤسسات الدولة ويمهد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة من دون إقصاء

كما شدد على أن أي ترتيبات تخص المؤسسات السيادية، وفي مقدمتها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ينبغي ألا تقوم على «أمر واقع» أو على اختصاصات ملتبسة لا تستند إلى أساس قانوني واضح

ولا يقتصر تحفظ المنفي على مضمون المسودة، بل يشير أيضاً إلى حساسية المرحلة التي تمر بها ليبيا، حيث يمكن لأي ترتيبات انتقالية جديدة أن تتحول، إذا لم تحظَ بتوافق واسع، إلى عامل إضافي لإطالة المرحلة الانتقالية بدلاً من إنهائها

اختبار جديد للمسار الأممي

ويشكل الاتفاق الموقع بالأحرف الأولى خطوة مهمة على طريق تنفيذ خارطة الطريق الأممية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الخلافات السياسية الليبية قد حُسمت. فالتحدي الأساسي يتمثل الآن في تحويل التفاهمات التي توصلت إليها اللجنة إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ وتحظى بقبول المؤسسات والأطراف السياسية والعسكرية الرئيسية

وتواجه ليبيا منذ عام 2014 انقساماً سياسياً ومؤسسياً عميقاً، يتجسد خصوصاً في وجود حكومتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد ومقرها بنغازي، فضلاً عن استمرار الانقسام حول المؤسسات السيادية والقواعد المنظمة للانتخابات

وكان فشل انتخابات ديسمبر 2021 قد عمّق هذا الانقسام، بعدما حالت الخلافات حول القوانين الانتخابية، وترشح عدد من الشخصيات المثيرة للجدل، دون إجراء الاستحقاق الذي كان يُفترض أن ينقل البلاد من المرحلة الانتقالية إلى مؤسسات منتخبة

ومن ثم، فإن أهمية الاتفاق الجديد لا تكمن فقط في توقيع أعضائه بالأحرف الأولى على مسودة تفاهم، وإنما في قدرته على تجاوز العقبات التي أفشلت المحاولات السابقة، خصوصاً ما يتعلق بتوحيد المؤسسات، ووضع قواعد انتخابية مقبولة، وضمان عدم تحول الترتيبات الانتقالية إلى صيغة جديدة لإدارة الانقسام

ويأمل الليبيون أن يفضي المسار الذي تقوده الأمم المتحدة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة تنهي سنوات من المراحل الانتقالية والصراع على الشرعية، غير أن نجاحه سيظل رهناً بمدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل التفاهمات السياسية إلى اتفاق قابل للتنفيذ، وبمدى استعداد القوى المتنافسة للتخلي عن منطق تقاسم النفوذ لصالح بناء مؤسسات موحدة وشرعية انتخابية مستقرة

المصدر : وكالة الأنباء الألمانية + وكالة الأناضول