تتابع مبادرة حماية الأصوات الخضراء وجمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات الانقطاعات المتكررة في التزوّد بالمياه الصالحة للشراب، إلى جانب الاضطرابات المسجّلة في توفير المياه المعلّبة، بعدد من المناطق ومختلف ولايات الجمهورية التونسية، وما رافق ذلك من تحركات احتجاجية للأهالي والمواطنين المطالبين بحقهم في الحصول على خدمة أساسية لا تستقيم الحياة دونها
وقد اتخذت هذه الأزمة أشكالًا متعددة من منطقة إلى أخرى، إذ لم تقتصر تداعياتها على صعوبات التزوّد بالمياه، بل دفعت المواطنين والمواطنات إلى الخروج في تحركات احتجاجية للمطالبة بوضع حد للانقطاعات وضمان حقهم في الحصول على المياه. ففي ولاية القصرين، شهدت منطقة حاسي الفريد تحركات احتجاجية للمطالبة بالحد من أزمة التزوّد بالماء، كما شهد حي حروش بالكاف تحركات للسكان وإغلاقًا للطريق احتجاجًا على الانقطاع المتواصل للمياه الصالحة للشراب. وفي المنستير، تم رصد مشاهد لطوابير طويلة من المواطنات والمواطنين أمام نقاط توزيع المياه، بما يعكس حجم الأزمة وتداعياتها المباشرة على الحياة اليومية للمواطن
في هذا السياق، نؤكد أن الماء ليس امتيازًا تمنحه السلطة، وإنما حق دستوري صريح يضمنه الفصل 48، كما يرتبط الحق في الماء ارتباطًا وثيقًا بالحق في الصحة، المضمون بالفصل 43، والحق في بيئة سليمة ومتوازنة، المضمون بالفصل 47، وبمبدأ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليه بالفصل 23
ولا يمكن اختزال الانقطاعات المتكررة والممتدة للمياه في مجرد أعطاب تقنية، خاصة عندما يتحمل المواطنون والمواطنات تبعاتها اليومية، وتجد النساء أنفسهن أمام أعباء إضافية لتأمين المياه والاضطلاع بأعمال الرعاية والعمل المنزلي، بما يفاقم آثار الأزمة عليهن، لا سيما في المناطق التي يعد فيها الحصول على المياه شاقًا والتزوّد بها معاناة يومية
ومن هذا المنطلق، نؤكد ضرورة أن تراعي سياسات الدولة في التزوّد بالمياه وتوزيعها الاحتياجات المختلفة للسكان وأوجه التفاوت بين المناطق، بما يضمن حصول الجميع على الماء على قدم المساواة
في المقابل، نرفض تحول احتجاجات المواطنات والمواطنين ومطالبهم المشروعة بتوفير المياه إلى ذريعة لملاحقتهم أمنيًا أو قضائيًا. فقد رصدنا إيقاف عدد من المحتجين، من بينهم قُصّر، على خلفية تحركات مطالبة بالماء، في حين وُجّهت إلى عدد منهم تهم من قبيل تكوين وفاق إجرامي والتآمر
ونؤكد أن الاحتجاجات والتجمعات السلمية المطالبة بالحق في الماء لا يمكن أن تُجرَّم أو أن تُعامل باعتبارها تهديدًا للأمن العام، وإنما تمثل ممارسة مشروعة لحقوق دستورية مكفولة. فقد ضمن الفصل 42 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 حرية الاجتماع والتظاهر السلميين، كما كرّس الفصل 37 حرية الرأي والفكر، والتعبير والإعلام والنشر. ويضمن الفصل 38 الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة، بما يحمّل السلطات مسؤولية توفير المعلومات اللازمة والشفافة حول أسباب انقطاع المياه، ومدته، ومناطق التزوّد المتضررة، والتدابير المتخذة لمعالجة الأزمة وضمان استمرارية التزوّد
وفي الختام، ندعو السلطات التونسية إلى وقف كل أشكال التضييق والملاحقة على خلفية الاحتجاجات السلمية المطالبة بالحق في الماء، واحترام حرية التعبير والتجمع والتظاهر السلمي وفقًا للفصلين 37 و42 من الدستور، وإسقاط التتبعات القضائية في حق الأطفال والقُصّر على خلفية مشاركتهم في هذه الاحتجاجات، بما يضمن حماية حقوقهم ومصالحهم الفضلى واحترام حقوق الإنسان
كما نطالب الدولة التونسية بالوفاء بالتزامها الدستوري بضمان توفير الماء الصالح للشراب للجميع على قدم المساواة، وفقًا للفصل 48 من الدستور، وضمان حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات المتعلقة بأسباب انقطاع المياه ومدته والتدابير المتخذة لمعالجته، واعتماد سياسات تراعي أوجه عدم المساواة والآثار المختلفة لأزمة المياه على النساء والفتيات، إلى جانب اتخاذ إجراءات عاجلة ووضع حلول مستدامة تضمن استمرارية التزوّد بالمياه في المناطق المتضررة

