إرادة الحياة

تتهم السلطة أطرافا لا تحدّدها بأنها تنكّل بالشعب، فيما يتّهم من بقي قادرا على فتح فمه من المعارضين هذه السلطة ذاتها بنفس التهمة، أي: التنكيل بالشعب. الجميع متفقون إذن، وبإجماع غير مسبوق على أن هذا الشعب منكّل به. لكنهم مختلفون فيما بينهم عن السبب

الأدلة كثيرة لا ينكرها إلا أبواق النظام في حوانيت الإعلام التي لم تعد تثير شهية أحد، وهي تشمل مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية. قد يكون من الصعب على من لا يمتلك أدوات المقارنة أن يدرك حجم التنكيل الذي يتعرض له في حياته اليومية. وتجده راضيا قانعا مبتسما ومتفائلا بسذاجة عمياء وإيمان أخرق بأن مكافحة الفساد لها ثمن عليه أن يدفعه هو دون سواه من الرفاه الاجتماعي الذي يستحقه، هؤلاء (البسطاء) مُغرّر بهم علاوة على كونهم يتعرضون إلى أبشع أنواع التنكيل، لأنهم يعتقدون فعلا بأن السلطة تستطيع بناء المدينة الفاضلة على أنقاض هذا الدمار الذي أحدثته

أما الفئات الاجتماعية التي تستطيع بشكل أو بآخر أن تقارن وضعها بما تتمتع به الشعوب الأخرى فستدرك حتما أن التنكيل بالمواطنين يتخذ أشكالا متقدمة جدا ومتطورة، مع التآكل المستمر للمرافق العمومية والعطب الذي أصاب المكينة السياسية وجعلها غير قادرة على التحرك ولو خطوات إلى الأمام بإنجازات ملموسة، نتحدث هنا عن تفاصيل قد تبدو بسيطة ويتسامح معها الناس لأنهم غير قادرين على تخيل حياتهم دونها: نتحدث عن الطوابير الطويلة في البنوك والإدارات ومكاتب البريد، وفي فروع ”الكنام“، عن وقت الانتظار في العيادات الخارجية بالمستشفيات العمومية وعن قذارة أقسامها الداخلية، عن قطارات تغادر المحطات ولا يعرف راكبوها إن كانت ستصل إلى وجهتها أم لا، عن طائرات صارت أضحوكة الطيران المدني في المتوسط، وعن مطار يشبه محطة نقل بري تتشبث به السلطة وكأنه قضاء وقدر! نتحدث عن إدارات متخلفة تقاوم التطور وتعتقد أن الذكاء الصناعي يمثل خطرا على وجودها

هذا البؤس الذي يعيشه التونسيون يوميا ويفرض عليهم خطاب السلطة قبوله والتطبيع معه بوصفه ضريبة معقولة للانتصار على (أعداء الوطن) يتناقض كليا مع النموذج السياسي الذي انتهينا إليه بعد فشل تجربة الانتقال الديمقراطي: النظام الرئاسوي الذي يتحكم فيه الرئيس بكل دواليب الدولة وحده لا شريك له. فالصّلاحيات الرئاسية الواسعة أكثر من أي عهد مضى تسمح الآن بمباشرة إصلاحات كبرى تشمل مختلف الميادين وتستقطب استثمارات أجنبية لتوفر فرص عمل تعيد الأمل إلى التونسيين، لكن الخطاب الرسمي ظل سجين التسويف والإرجاء وكأنّ الحرب المفتوحة على من ينكلون بالشعب لن تنتهي أبدا ولا ينبغي لها أن تنتهي

يبرر النظام عجزه عن إحداث تغيير ملموس في حياة الناس بوجود مراكز قوى تهيمن على السوق، وبالنظر إلى الأسلوب البوليسي المتوخى في معالجة كل المشاكل يبدو ذلك إقرارا صريحا بالفشل، فضلا عن كونه إذ يتخبط بلا جدوى في مصيدة التضخم ولا يجد مخرجا معقولا لأزمة الأسعار التي يضعها في أعلى سلم أولوياته يتعامل مع حاجة الشعب إلى الطعام أولا، بينما أثبت التاريخ أن المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية هي محركات التغيير الأساسية في بلادنا وأن أكبر إهانة يمكن أن يرتضيها الشعب لنفسه أن يوصم بالجوع

الأزمة في بلادنا وإن كانت متعددة الأبعاد هي أزمة قرار أولا وأخيرا، وبينما يفترض المنطق (الديمقراطي) محاسبة الأنظمة بالنتائج توشك العهدة الرئاسية الثانية والأخيرة على الانتهاء والخطاب الرئاسي ما يزال يفيض بالنوايا والوعود دون أن يحقق شيئا ملموسا، لا سيما أن الركائز التي بني عليها كالبناء القاعدي والصلح الجزائي والشركات الأهلية لم تؤت أكلها حتى الساعة وتواصل استنزاف مقدرات المجموعة الوطنية. إن استمرار الطرفين حكما ومعارضة في تبادل تهمة (التنكيل بالشعب) يجعل إمكانية التغيير الوحيدة مرتبطة بهذا الشعب ذاته وبمدى قدرته على فرض إرادته على الجميع

بقلم عامر بوعزة