لماذا يهرب الإنسان من الجنة؟

في ليلة الحزن الكبير ذاتها، وبينما كان التونسيون في كافة أصقاع الأرض يتابعون لحظة بلحظة أخبار البحث عن ناجين في غرق زورق الهجرة السرية، كانت وسائل الإعلام تتناقل خبر تصدّر بلادنا دول شمال إفريقيا وحلولها في المرتبة الثالثة إفريقيّا والخامسة والسبعين عالميا في مؤشر «ليجاتوم» للازدهار لسنة 2026، في الليلة ذاتها جاءت فاجعة بن قردان لتعيد إلى الأذهان السؤال البديهي الذي يطرحه أي مواطن أمام هذه الأرقام: هل يهرب الإنسان من الجنة؟

ينبغي توظيف قوة الذكاء الصناعي لفهم هذا التناقض بين الأرقام والواقع، وقد أكد لنا نموذج « جيميني » أن مؤشر ليجاتوم للازدهار هو أحد المؤشرات العالمية الجادة والموثوقة لأنه عكس المؤشرات التقليدية التي تقيس الازدهار بالناتج المحلي يعتمد فلسفة مفادها أن الازدهار الحقيقي يتطلب توفر بيئة «تتيح للأفراد التقدم والعيش الكريم وتحقيق إمكاناتهم من خلال دمج الرخاء المادي مع الرفاه الاجتماعي والصحي» فضلا عن أنه مستقل ويصدر عن مؤسسة فكرية تعليمية مستقلة مقرها لندن، ممولة جزئياً من شركة استثمار خاصة

يعتمد التصنيف الحالي ثلاثة مجالات رئيسية هي التنمية والمجتمع والحرية، وقد تفوقت تونس في النقطتين الأولى والثانية باعتماد مؤشرات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة وقوة الروابط الاجتماعية والدعم الأسري، فيما يعتبر المجال الثالث نقطة ضعفها الوحيدة بسبب ضعف الحرية الاقتصادية والقيود الهيكلية على بيئة الأعمال ما يمنعها من تحقيق مراكز أكثر تقدما عالميا

هذا التقييم، خاصة في بنده المتعلق بالرعاية الصحية، يتناقض مع الواقع حيث يعاني المواطن في حياته اليومية من فقدان عديد الأدوية وعجز الصناديق الاجتماعية وطول آجال الانتظار في المستشفيات العمومية، وتردي خدماتها، فضلا عن الأزمات العديدة الأخرى التي يتخبط فيها المجتمع بسبب قلة الإنتاج وانكماش الاستثمارات وندرة الموارد فكيف يفسر الذكاء الصناعي هذا التناقض؟

يؤكد النموذج الذي اعتمدناه أن هذا التضاد يُعرف في الدراسات التنموية بفجوة المؤشرات وله تفسيرات علمية ومنهجية واضحة تجعل هذه التصنيفات تقول شيئاً، بينما يعيش المواطن شيئاً آخر، فالمؤشرات تقيس الهيكل ولا تقيم الخدمة (أنقل هنا حرفيا ما يقوله « جيميني ») فعندما يمنح المؤشر تونس تقييماً عالياً في الرعاية الصحية، فهو لا ينزل إلى طوابير الانتظار في مستشفى الرابطة أو شارل نيكول، بل ينظر إلى المؤشرات الهيكلية الكلية مثل معدل أمل الحياة عند الولادة الذي يعتبر مرتفعاً في تونس مقارنة بمحيطها ونسب التلقيح الشامل للأطفال والقضاء على الأوبئة التاريخية وعدد الأطباء والأسرة لكل ألف ساكن. وهذه البنية التحتية التاريخية لا تزال صامدة إحصائياً، لكن المؤشر يفشل في قياس الكفاءة التشغيلية اليومية. كما إن المؤشرات الدولية لا تقتصر على الخدمات العمومية، وفي تونس يعتبر القطاع الصحي الخاص متطورا جداً ويستقطب السياحة الطبية ويضم كفاءات وتجهيزات عالية وأرقامه مضافة إلى أرقام القطاع العام تخفي المعاناة الحقيقية للمواطن الذي لا يملك القدرة على تحمل تكاليف المصحات الخاصة

أما العامل الأهم فهو فجوة الزمن، فالمؤشرات الصادرة لعام 2026 لا تلتقط الأزمات الراهنة والأزمات الحادة مثل الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء خلال صيف هذا العام، أو الانحدار الحاد الأخير في مخزون الأدوية، تستغرق وقتاً قبل أن تنعكس في قواعد البيانات الدولية. إن المؤشرات الدولية تلتقط «صورة فوتوغرافية» للبنية التحتية التونسية من طائرة تحلق على ارتفاع عالٍ، فترى شبكات مستشفيات ومياه وكهرباء ممتدة. لكن المواطن يعيش على الأرض، حيث يعاني من جفاف هذه الأنابيب وعجز هذه المستشفيات

انتهى عزيزي « جيميني » إلى اعتبار هذا المؤشر «صورة فوتوغرافية فوقية» وأنا أختلف معه في تقدير المسافة التي التقطت منها هذه الصورة.

فالفيزيائيون يؤكدون أننا عندما ننظر إلى السماء نرى الماضي لأن الضوء الصادر عن النجوم البعيدة يقضي آلاف السنوات كي يصل إلينا، وقياسا على ذلك فإن هذا الصورة التقطت من كوكب آخر تفصلنا عنه سنوات ضوئية، إن هذا المؤشر (مع تفهمي للإحباط الذي يمكن أن يسببه هذا الاستنتاج لبعض القراء) يصف ماضي هذه الدولة أكثر من حاضرها، وهو ما لا يمكن لوسائل الإعلام أن تقوله في غمرة عزفها على الطبول الجوفاء

عامر بوعزة