ماذا فعل النظام لبن قردان ليموت شبابها غرقا في البحر؟

غرق مركب يقل مهاجرين غير نظاميين، أغلبهم من مدينة بنقردان ( 16 ضحية )، لا يطرح فقط سؤال الهجرة غير النظامية ومخاطرها، بل يعيد إلى الواجهة سؤالا أوسع : ماذا آلت إليه مدينة حدودية كانت، لعقود، عنوانا للحركة التجارية والاقتصادية، ثم وجدت نفسها أمام تراجع متواصل في مواردها وفرصها؟

كانت بنقردان، بحكم موقعها على الحدود مع ليبيا، قبلة لشباب من الحنوب والوسط، الباحثين عن الرزق والعمل، مستفيدة من حركية التجارة الحدودية وما توفره من فرص مباشرة وغير مباشرة، لكن هذه المعادلة تغيّرت تدريجيا

تراجعت التجارة الحدودية، وتقلصت معها فرص العمل ومصادر الدخل، وأصبحت المدينة تواجه أزمة اقتصادية واجتماعية لم يعد أثرها مقتصرا على النشاط التجاري، بل طال حتى خيارات شبابها ومستقبلهم

ولعل المفارقة ، أن المدينة التي كانت تستقبل شبابا من مناطق تونسية مختلفة بحثا عن العمل، بات جزء من شبابها اليوم يبحث عن طريق للخروج منها، حتى وإن كان ذلك عبر الهجرة غير النظامية، بما تحمله من محاطر قد تنتهي، كما حدث في حوادث كثيرة، إلى الغرق والموت

وعليه، المسألة ، لا تختزل في مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية أو تشديد الرقابة على الحدود والبحر. فهذه الإجراءات، مهما كانت ضرورية، لا تعالج بالضرورة الأسباب التي تدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. فحين تضيق فرص العيش في مدينة حدودية، تصبح الهجرة في نظر بعض أبنائها، حتى في صورتها الأخطر، خيارا بديلا عن انسداد الأفق

وهنا يعود سؤال تنمية المناطق الحدودية، الذي ظل حاضرا في الخطاب السياسي منذ سنوات، لكنه لم يتحول إلى سياسات اقتصادية واجتماعية ملموسة

بقي هذا العنوان يستدعى في المناسبات والبرامج والوعود، بينما ظلت مناطق حدودية مثل بنقردان تنتظر ترجمة فعلية لفكرة التنمية التي يفترض أن تمنحها موقعها الجغرافي قيمة مضافة، لا أن تجعلها أسيرة لتقلبات التجارة الحدودية

غرق مركب بنقردان ليس مجرد حادث هجرة جديد….إنه، في جانب كبير منه، علامة على أزمة أعمق: أزمة مدينة تراجعت فيها الوظائف والفرص فيما لم تبن بعدُ البدائل التي تمنح شبابها سببا للبقاء

نورالدين المباركي