الجلاوزة

الجِلْوَازُ في لسان العرب هو الشُّرَطي والجمع «جَلاَوِزَةٌ»، وكذلك في كل المعاجم القديمة التي تعرّف «الجَلوزة» بالخفّة، ومن المرجّح أن عبارة «الجلواز» مقترنة بالبطش والظلم والطغيان لأن «الجلز» هو مقبض السوط، وقد وردت العبارة بهذا المعنى في حديثين ضعيفين: حديث أورده البخاري في «التاريخ الكبير» واعتمده «المعجم التاريخي» (يَكونُ قَوْمٌ جَلاوِزَةٌ بأَيدِيهِمْ سِيَاطٌ)، وحديث يُصنَّف في باب الغريب ذكره أبو نعيم الأصفهاني في كتابه «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»: (الجلاوزةُ والشُّرَطُ وأعوانُ الظَّلَمة كلابُ النّار)

وفي العصر الحديث استعمل المفكّر العراقي «علي الوردي» هذه المفردة في مقدّمة كتابه «وُعّاظ السّلاطين»، وخصّ بها الإعلاميين والمثقفين، حيث ذكر أنه أعدّ بعض فصول الكتاب لتقديمها في برنامجه الإذاعي، فرفض من أسماهم «جلاوزة الإذاعة» ذلك، وعلّق في الهامش بقوله: «حُقّ على المذيع آنذاك أن ينادي: هنا بلد الجلاوزة…هنا بغداد»، ويخلص إلى القول: لقد حكم الطغاة هذا البلد أجيالاً متعاقبة. فاعتاد سكانه بدافع المحافظة على الحياة أن يحترموا الظالم ويحتقروا المظلوم وأخذ مفكرونا يصوغون مثلهم العليا صياغة تلائم هذه العادة الاجتماعية اللئيمة

أجدني مُتّفقا تمامَ الاتّفاق مع الرئيس قيس سعيّد حين قال في كلمته بمناسبة عيد قوات الأمن الداخلي: «إن رجل الأمن لم يعد جلوازا»، وأضيف أن «الجلواز» لم يعد في عصرنا رجل الأمن، فالشرطي مكلف بإنفاذ القوانين والسهر على أمن المجتمع، وخفته مطلوبة حتى يلاحق المارقين عن القانون الذين يمثل وجودهم خارج أسوار السجون خطرا على السلامة العامة، ويتعقبهم أينما كانوا، حتى يشعر المواطنون بالأمان و الطمأنينة

الجلاوزة الحقيقيون يا سيادة الرئيس هم الذين يحددون: من هم المارقون عن القانون!، فيجرمون الفكرة ويحاكمون الاختلاف، ويجعلون من الرأي الآخر جرما أشدَّ خطرا من بيع الكوكايين، جلاوزة العصر الحديث بطانة فاسدة ورعاع طمّاع وأشباه مثقفين وجامعيون فاشلون بالإجماع، ومعلقون (كرانكة) بقدر ما يمتازون بالخفّة في «التقفيف» ثقيل ظلّهم ثقل الجبال الرواسي

الجلاوزة الحقيقيون أعوان الظّلَمة، كلابُ النّار، لا يكتفون بالسكوت عن الحق، بل يبرعون في تزيين الباطل. الوزير الذي يستغل سلطته لإعدام صحفي انتقده جلواز، رغم خطب الجمعة التي سيحملها إلى الله في حقيبته الجلدية يوم القيامة. الهيئة التي تسجن قادة الأحزاب جلواز يرتدي ثياب الدستور، ليطلق النار على كل شيء يتحرك. أعوان الوظيفتين التشريعية والقضائية الذين لا يعنيهم الفصل بين السلطات في شيء، وهو روح القوانين الدستورية في عالم الحداثة والتنوير

قائمة الجلاوزة أطول من أن يستوعبها مقال، فلقد تغير العصر وتغيرت المفردات، واضمحلت صورة «الجلواز» التي حملتها إلينا رياح التراث الإسلامي، من عصور مظلمة ساد فيها البطش والطغيان، واستحلّ فيها الخلفاء والولاة والبايات والسلاطين ومن لفّ لفّهم دماء الناس في السّاحات، والأسواق، والبيوت، والدكاكين. وما حاجتنا إلى ذلك وسياط الجلاوزة المحدثين تنهال علينا في كل آونة وحين؟ وما حاجة السلطة اليوم إلى الشّرطي وجحافل «القوّادين» والمخبرين المتطوعين والمنظرين والمفسّرين جاهزة لمدح الظالم والبصاق على وجه المظلوم؟!

بقلم عامر بوعزة