🔴 قبل 2011، عندما بدأت مؤشرات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تتراكم، وتعددت مظاهر الفساد واستغلال السلطة والنفوذ، واجهت السلطات التقارير والتحذيرات بشأن هذه الأوضاع إما بالنفي والرفض، أو بالتشكيك في نوايا أصحابها، عبر القول إن مروّجيها : لا يريدون الخير للبلاد
وانتهى الأمر بخطاب 13 جانفي 2011، الذي اختُصر في عبارة :غلطوني وفهمتكم
🔴 بعد 2011، وخلال فترة حكم « الترويكا »، ارتفعت أصوات تحذر من مخاطر الانزلاق في الملفين الاقتصادي والاجتماعي، باعتبارهما في صلب المطالب التي قامت عليها الثورة، لكن هذه التحذيرات قوبلت، في البداية، بخطاب من قبيل « ما ثمة كان الخير »، وبالتذكير بـ »إرث سنوات عديدة » قبل أن تنتقل السلطة تدريحيا إلى تفسير جزء من الصعوبات بمنطق « المؤامرة » و : حطان العصا في العجلة
في المقابل، انتهت حركة النهضة نفسها، لاحقا، إلى الإقرار بأن « الكثير من انتظارات الثورة لم يتحقق »، وأن البلاد تعيش أزمة اقتصادية واحتماعية
🔴 سنة 2014، ومع تولي المهدي جمعة رئاسة الحكومة، في إطار ما سمي آنذاك حكومة الكفاءات، بدأ الرجل بما وصفه بـ »خطاب المصارحة حول الأزمة الاقتصادية » ، فشكك في الأرقام التي قدمتها الحكومات السابقة، وخصوصا حكومات الترويكا، وكشف عن حجم الاختلالات التي اعتبرها قائمة في المالية العمومية والاقتصاد: عحز الميزانية، اختلال التوازنات المالية، ارتفاع الدين العمومي، البطالة، وأوضاع المؤسسات العمومية وغيرها. كما تحدث عن خطة إنقاذ وعن إعادة هيكلة للاقتصاد
🔴 سنة 2016، جاء يوسف الشاهد بدوره بخطاب « لمصارحة »، وأسهب في الحديث عن الأزمة الاقتصادية والمالية، مقدما أرقاما ومعطيات لتأكيد مقاربته، وفي الوقت نفسه لتفنيد أرقام الحكومات التي سبقته. وتحدث عن ضرورة التقشف، والضغط على نفقات الدولة، وإعادة هيكلة الاقتصاد والمؤسسات العمومية، بل وطرح حيارات ذات كلفة اجتماعية مرتفعة
وبعد أكثر من ثلاث سنوات على رأس الحكومة، عاد الشاهد في مناسبات عدة إلى الحديث عن تحسن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. لكن عندما كان يُقال له إن هذه المؤشرات لا تنعكس في الحياة اليومية للمواطن، وإن التحسن المعلن لا يُشعر به الناس، كان الخطاب ينتقل في أحيان كثيرة من مناقشة الأرقام والنتائج إلى اتهام الخصوم، وربط الصعوبات السياسية والاجتماعية بـ »الحرب على الفساد » التي قال إنه يدفع ثمنها
🔴 اليوم، وبعد أكثر من عقد ونصف على الثورة، ما تزال البلاد تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية ومالية بل إن البعض يصفها بأنها من أخطر الأزمات التي عرفتها تونس، محذرين من تداعياتها خلال الفترة المقبلة
واللافت أكثر أن تفسير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يعود، كلما برزت أزمة في قطاع أو مجال معين، إلى مربع « المؤامرة »: أزمة هنا تُفسَّر بالتآمر، واحتجاج هناك يُقرأ باعتباره استهدافا، وتعطل قطاع ما يُربط بمحاولات ضرب الدولة أو تعطيل مسارها
لكن المشكلة أن المؤامرة، حتى عندما تكون موجودة، لا تفسر وحدها أزمة اقتصادية متراكمة على مدى سنوات, كما أن وجود خصوم أو مستفيدين من إضعاف الدولة لا يلغي مسؤولية السياسات العمومية، ولا يعفي السلطة من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالتنمية، والإنتاج، والاستثمار، والمالية العمومية، والمؤسسات العمومية، والبطالة، والقدرة الشرائية، والخدمات الأساسية
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لا تُقاس فقط بما تقوله البيانات الرسمية، وإنما أيضا بما يعيشه الناس في حياتهم اليومية
المؤشرات الاقتصادية قد تتحسن في بعض الجداول، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المواطن يشعر بتحسن مماثل في دخله أو خدماته أو قدرته على مواجهة تكاليف الحياة
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة تجاه أزمة حقيقية هو أن تستبدل تشخيصها بتفسير سياسي جاهز، فالمؤامرة، إن وُجدت، تحتاج إلى أدلة ومساءلة… أما الأزمة الاقتصادية والاحتماعية فتحتاج، قبل كل شيء، إلى تشخيص صريح، وأرقام قابلة للتحقق، وسياسات واضحة، ونتائج يمكن أن يلمسها المواطن
🔴المشكلة في تونس ليست فقط أن الحكومات المتعاقبة أخطأت في إدارة الأزمة، وإنما أن الخطاب السياسي ظل، في مراحل مختلفة، يبحث عن تفسير للأزمة خارج مسؤولية السياسات والقرارات. وبين « غلطوني وفهمتكم » و »ما ثمة كان الخير » و »ارث السنوات السابقة » و »حطان العصا في العجلة » ثم « المؤامرة »، يتغير الخطاب، بينما يبقى السؤال نفسه قائما
متى تصبح الأزمة الاقتصادية والاجتماعية موضوعا للمصارحة والتشخيص والمعالجة، لا مادة لتبرير الفشل أو اتهام الخصوم؟
نورالدين المباركي

