بلهجة تونسية خالصة، عليها مسحة جنوبية، دار نصف دورة حول نفسه، وغطّى وجهه بيديه وهو يصيح « يا خي… خويا… » ، ثم ألقى نظره من جديد على الجثة التي تطفو فوق البحر… هادئة، ساكنة، مستسلمة للموج، كأنّ البحر وحده يعرف حكايتها الأخيرة
لم يسقط قلبه وحده وهو يصرخ, في تلك اللحظة، سقطت قلوب كل من شاهد المقطع، كانت صرخة واحدة، لكنها بدت كأنها خرجت من صدر البلاد بأكملها
من أم تنتظر ابنها، ومن أب لم يعد يعرف أين يبحث عن أثر لولده، ومن مدينة تفقد كل يوم واحدا من أبنائها في طريق لم يكن ينبغي أن يكون طريقا للنجاة
المأساة والوجيعة لم تبدٱ لحظة انقلب المركب، ولا حين ابتلع البحر أجساد الشباب…. بدأتا قبل ذلك بكثير،
يوم ضاقت المدينة بأحلام أبنائها، وأصبح المستقبل غامضا إلى الحد الذي جعل المجهول، بكل مخاطره، يبدو أرحم من واقع لم يعد يمنحهم حتى الحد الأدنى من أسباب البقاء
هذه ليست حكاية مركب غرق في البحر فحسب. إنها حكاية مدينة ، حكاية بلاد، تشاهد شبابها وهم يغادرون…. وحكاية أحلام لم تجد مكانا تعيش فيه، حتى أصبح البحر آخر ممر نحو المجهول
في صرخة « يا خي… خويا… » لم يكن هناك أخ واحد فقط….. كان هناك إخوة البلاد جميعا… أبناؤها الذين خرجوا بحثا عن حياة، فوجدوا الموت، وتركوا وراءهم مدينة كاملة تسأل، وبلاد حزينة
للمرة الألف: كيف وصلنا إلى يوم أصبح فيه البحر، رغم قسوته، أرحم من اليابسة؟
نورالدين المباركي

