سارعت السلطة السياسية، عقب اعتقال مجموعة من الشباب الذين شاركوا في مسيرة يوم السبت الماضي، مطالبين بإطلاق سراح قيادات أسطول الصمود المسجونين، منذ مارس الفارط، سارعت إلى توجيه تهم إليهم تتعلق بالإساءة إلى الغير، في إحالة إلى الشعارات التي رُدّدت خلال المسيرة، والتي حمّلت رأس السلطة المسؤولية المباشرة عن اعتقال قيادات الأسطول، فضلا عن تحميلها مسؤولية كل مكروه قد يمس حياة وائل نوار المضرب عن الطعام منذ حوالي أربعين يوما
والظاهر أن هذه التهمة جاهزة، شأنها شأن غيرها من التهم التي تلاحق المعارضين والخصوم السياسيين للسلطة القائمة، وكل من يخالفها الرأي. والحقيقة أن السلطة، من خلال مثل هذه التّهم، سقطت مرة أخرى سياسيا وأخلاقيا، باعتبار أنها مست حقا دستوريا وانتهكته، وهو الحق في التظاهر السلمي، وقضمت مكسبا من مكاسب الثورة، بعد أن انتهكت مكاسب أخرى، من قبيل الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير، وبهذا المظهر الاستبدادي، أساءت إلى نفسها وشوّهت صورة البلاد
إن هذا المشهد الذي آلت إليه البلاد، بما يتضمنه من قمع للحق في التعبير والرأي والصحافة والتظاهر السلمي، وتجريم للعمل المدني، فضلا عن تجاهل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، واستمرار تنامي معدلات البطالة وتفاقم الأزمات المعيشية للمواطنين، وتراجع مقوّمات الحياة الكريمة، نتيجة فشل منظومة الحكم وعجزها عن تسيير دواليب الدولة، كلها عوامل أساءت إلى صورة البلاد وتاريخها وثورتها وشهدائها، وإلى الدماء التي سالت من أجل الحرية والكرامة
لا أظن أن الشعارات التي رفعها المحتجّون والمحتجات يوم السبت الماضي تسيء إلى الغير، بل هي تنبيهات ومطالب ومحاذير رفعها الشباب بكل اقتناع، فلسفتها النأي بالبلاد عن مربعات الاستبداد والحكم الفردي المطلق، وحماية مكاسب الثورة، واحترام حقوق الإنسان، وضرورة الانفتاح على القوى الوطنية والديمقراطية، من أجل إيجاد حلول لمشكلات البلاد
هؤلاء الشباب الذين ضحّوا بحياتهم في وقت من الأوقات في مواجهة استبداد بن علي، وصارعوا حركة النهضة والفكر المتخلف، ثم واجهوا الكيان الصهيوني بصدور عارية، هم ورود البلاد وخيرة شبابها المثقف والمناضل، المحب لوطنه والساعي إلى تطويره، والحامي لمكاسب شعبه وحقه في العيش الكريم، إنهم لا يعرفون معنى الإساءة، بل هم مع الجمال والخير، ولن تتمكن أي قوة من لجمهم أو إيقاف نضالهم، وسيواصلون معركتهم ضدّ الظلم والقهر والاستبداد، كما كانوا سابقا ودائما
* صبري الزغيدي

