عذرا بن قردان… نحن آسفون

ترددت كثيرا في الكتابة عن مصاب بن قردان الجلل، وعن خسارتها أبناءها، وعن حرقة الأمهات والآباء والأشقاء والأصدقاء… فماذا سأقول، وماذا سأعلّق؟ إن اللغة والكتابة لن تفيَا، ولن تختزلا حجم الوجع والحزن
رحم الله شبابنا، ولهم الرحمة، ولذويهم ولنا جميل الصبر
ولكن

لا يمكن البتة أن تنتهي المأساة هنا وهكذا، أو أن تختزل الحكاية في غرق قوارب الموت، ثم نسكت ونصمت، ونعود إلى الالتفات إلى رحلة البحث عن قوارير الماء المعلبة وبكائيات انقطاع الكهرباء والماء وأحزان الاستعدادات للعودة المدرسية ولطميات خلاص الفواتير والديون وأسعار الفلفل والطماطم والبصل وغياب السكر والأرز، والسبعين دينارا ثمن كيلوغرام لحم الخروف

فليذهب كل ذلك إلى الجحيم، لقد رحل أبناؤنا وخسرناهم إلى الأبد. فعذرا أهالي بن قردان، نحن آسفون

آسفون، لأننا نعلم لماذا مات أبناؤكم، ولم نفعل شيئا، فقد كانوا ضحايا حكومات وسلطة فاشلة، ولم نفعل شيئا، دولة لم تتحرك، ولم تفرض نفسها لإيجاد حلول سيادية لمعبر رأس الجدير، الشريان الاقتصادي الوحيد في بلدتكم، ولم نفعل شيئا

دولة لم تبذل جهدا يُذكر لتغيير المنوال التنموي واستغلال فلاحة بن قردان ومينائها وصحرائها وخيراتها وثرواتها، ولم نفعل شيئا أيضا، دولة فقّرت وجوّعت وشرّدت واستهدفت وعطّشت وظلمت، ولم نفعل شيئا، دولة أبرمت الاتفاقات المشبوهة، وانتهكت حق الإنسان في التنقل، وتجاهلت أسباب « الحرقة »، وقبلت على نفسها صفة التلميذ النجيب وانصاعت لشروط الاتحاد الأوروبي وقبضت بعض الملاليم… ولم نفعل شيئا، مرة أخرى

آسفون بن قردان، لأننا رأينا كل ذلك القهر، ولم نستطع التحرك والمقاومة والمواجهة والتصدي، وأمام أعيننا ابتلع البحر أبناءكم، حتى إن الدولة، إلى حدود الأمس، استكثرت عليكم النعي وتقديم التعازي، كما استكثرت دول أخرى علينا تقديم التعازي… ونحن لم نفعل شيئا

آسفون، لأن لا والي لكم، ولا معتمد، ولا عمدة، ولا تملكون أي مؤشر أو مقوم على انتمائكم إلى الدولة، أو على حقكم في التمتع بخدماتها وممارسة حقوقكم، حتى إننا نتساءل: منذ ملحمتكم التاريخية ضد الإرهاب في مارس، متى زاركم آخر وزير، أو حتى آخر وال؟آسفون أيضا لتلكم الأرهاط الجاهلة والأمية ولأصحاب الأدمغة المغلقة ومحدودي التفكير، الذين يفسرون ظاهرة « الحرقة » بعيدا عن الأسباب الحقيقية التي دفعت الضحايا إلى الهجرة غير النظامية، ورمت بهم في قوارب الموت، هربا من الفقر والتهميش والبطالة وانسداد الأفق
آسفون ونعتذر منكم بسبب أولئك الذين يدافعون عن السلطة ويبعدون عنها تهمة التورط في الأسباب التي تدفع إلى الهجرة، ونتوجه إلى الله ونقول: « اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منا

نحن آسفون لأن السلطة لم تزركم ولم تواسيكم ولم تسع إلى التخفيف عليكم، بل وجهت لكم تعزيزات أمنية استثنائية لمعاقبتكم على خروجكم السلمي للشارع ليلا للاحتجاج على خسارتكم احباءكم، ونحن لم شيئا

عذرا بن قردان، نحن آسفون، لأننا عاجزون، إلى اليوم، عن مقاومة الظلم في كل مكان من وطننا وفي كل وقت، حتى جاء الدور عليكم، وخسرتم فلذات أكبادكم، لكن هذه المأساة ستبقى وصمة عار تلاحق الدولة، بكل سلطاتها وحكوماتها التي تعاقبت عليها بسياساتها الفاشلة

لذلك ستكون النهاية قاسية ومأساوية، وسنشهد مشاهد دراماتيكية، لكن المؤكد أن المستقبل سيكون أفضل، وأن التغيير سيأتي حتما نحو الأحسن
عذراً بن قردان… آسفون مرة أخرى

رحم الله أبناءكم، ولكم جميل الصبر

صبري الزغيدي