تردّد كثيرا خلال هذا الأسبوع شعار «ارحل»، احتجاجا وتفاعلا مع الأزمة الاجتماعية الخانقة التي تمر بها البلاد
وعلى المستوى الشخصي، أتعامل مع هذا الشعار انطلاقا من منطلقات سلمية ومدنية ودستورية
لكن، حين حاولت البحث في إمكانية «الرحيل الدستوري» بالعودة إلى دستور سنة 2022، وجدت أن الأمر يكاد يكون مستحيلا، إذ لا يتيح الدستور عمليا أي آلية لتنحية رئيس الجمهورية من منصبه، باستثناء حالة الاستقالة، وهي إمكانية تبدو مستحيلة واقعيا، بالنظر إلى التعلّق الشديد للرجل بمنصبه وبالسلطة
والمفارقة العجيبة أنني، بالعودة إلى دستور 2022 وإلى المرسوم عدد 55 لسنة 2022 المتعلق بالانتخابات، اكتشفت تناقضا صارخا : فصاحب نظرية «سحب الوكالة»، الذي جعل منها أحد أبرز عناوين مشروعه السياسي وبرنامجه الانتخابي سنة 2019، حصر هذه الآلية في النواب استثنى منها نفسه، أي رئيس الجمهورية
فالشعب يمكنه سحب الوكالة من نوابه، لكنه لا يملك الآلية ذاتها لسحبها ممن يتولى رئاسة الجمهورية
وما يعزز هذه المفارقة ويكشف التناقض بين الخطاب والممارسة، أن دستور 2022 الذي كتبه الرئيس بنفسه و طبعا لنفسه ألغى فعليا كل آلية تتعلق بالمساءلة الدستورية لرئيس الجمهورية
فبمقارنة بسيطة مع دستور 2014، نجد أن هذا الأخير كان يتيح لثلث أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة بطلب إعفاء رئيس الجمهورية، لتبت المحكمة الدستورية لاحقا في ذلك الطلب، وهو ما كان يمثل، على الأقل، آلية دستورية لمساءلة رئيس الدولة
ويُضاف إلى ذلك عدم تركيز المحكمة الدستورية إلى اليوم، بما يعزز الانطباع بأن هناك تشبثا بالمنصب وبالسلطة وإغلاقا لكل المنافذ الممكنة للمساءلة أو للتعويض الدستوري
فدستور 2022 ينص على أن رئيس المحكمة الدستورية يعوض رئيس الجمهورية في حالة الشغور، وهو ما يجعل استمرار غياب هذه المحكمة، رغم أهميتها الدستورية، أكثر دلالة على طبيعة العلاقة بالسلطة وعلى الرغبة في الاحتفاظ بها دون أي احتمال واقعي لانتقالها وفق الآليات الدستورية
خلاصة القول : صاحب نظرية «سحب الوكالة» يمنع عن نفسه إمكانية سحب الثقة منه، شعبيا أو نيابيا أو دستوريا
محمد علي المستيري

