ورد في كتاب « الإتحاف » لابن أبي الضياف أنّ تونس كانت تلك « الإيالة الفقيرة حسّا ومعنى ». عبارة مكثّفة وموجعة تلخّص حال الهوان التي وصلتها تونس في أواخر القرن التاسع عشر. للأسف، التاريخ إذا لم نع منطقه لنتحكم في وجهته، عاد ليطرق أبوابنا من جديد
اليوم، نعيش حالة من الفقر المركّب تشبه حالنا أمس . الفقر الحسّي تترجمه الأزمة الاقتصاديّة، وتدهور القدرة الشرائيّة، وفقدان الموادّ الأساسيّة وآخرها الماء الصالح للشرب، وتراجع الخدمات العموميّة الأساسيّة في النقل والتعليم والصحّة، وتردّي نوعيّة الحياة إلى درجات البؤس والميزيريا، وتفشّي القبح البصريّ والأوساخ والإهمال في البنية التحتيّة والمشهد العمراني. لكنّ ما هو أشدّ من الفقر الحسّي هو الفقر المعنويّ. وهو فقر تعكسه رثاثة الخطاب، ووضاعة « الهراش »العموميّ، وإعادة إنتاج الكراهية والسطحيّة والابتذال. حالة من الإحباط والخذلان، ومشاعر من اليأس المعمّم وغياب الأفق في آخر النفق تدفع إلى « الهجّة » لمن استطاع إليها سبيلا
صرنا في بلد لا يفلح ربابنته إلاّ في إنجاز وحيد: ترويج الأوهام وصناعة الأعداء للهروب من مواجهة الفشل والعجز الواضحيْن للعيان. الأزمة تواجه لا بالحلول بل بخلق أزمات أخرى عبر السياسة العمومية الوحيدة المتبقية وهي إدارة النُّدرة عملا بحكمة من قال : وداوني بالتي كانت هي الداء
وتقتضي إدارة الندرة خلق عدوّ وهميّ، ثمّ إعلان الحرب عليه، واستنفار الغوغاء للهتاف والسحل والتشفّي والتشنيع في مناخ من الكراهية والأنانيّة والتعصّب. مناخ شعبويّ من الرتابة والتكرار ينتج « المؤامرات »، و »اللّوبيّات »، و »الكارتلات »، و »الغِيلان »، و »السَعَالِي »، و »الرهابين »، و »التنانين »، و »الجنّ »، و »العفاريت » و »الشياطين
من نتائج هذه السياسة تراجع مطالب التونسيّين إلى المعيشيّ واليوميّ وحاجيات الحدّ الأدنى من غذاء وماء ودواء وكهرباء بانتظار آفة محدقة قد تكون حجْب الهواء
أمام اللهاث بحثا عن قارورة ماء في ظل انقطاع الكهرباء، ومشهد الطوابير أمام المتاجر لعل وعسى، ليس من الغلوّ ولا المبالغة أن نقول إنّ بلادنا لم تعد فقيرة كما ورد في « الإتحاف » فحسب، ولكنها أضحت اليوم رسميا : دولة منكوبة حِسّا ومَعنى
نعم. بكل أسف
مختار الخلفاوي

