فجأةً، اختفت الأزمة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الّتي ترزح بلادنا تحتها ومعها النّقاش بشأن قانون الماليّة، ليتصدّر خبرُ توقيع اتّفاق مع تحالف حكوميّ صينيّ لإعادة بناء المعلب الأولمبيّ بالمنزه وسائل الإعلام وشبكات التّواصل الاجتماعي
والمنشأة، الّتي انتهت الحكومة البلغاريّة من تشييدها عام 1967 لتحتضن ألعاب البحر الأبيض المتوسّط، كلّفت الدّولة التّونسيّة آنذاك نحو 3 ملايين دينار، لم تُسدَّد سيولةً بل عينًا، عبر شحناتٍ من القوارص والفوسفات
وقرّر الرّئيس، قيس سعيّد، عام 2022، إعادة تهيئة الملعب، في مشروع احتفى به أنصاره بشكلٍ واسعٍ، وقد حُدّدت كلفته الأوّليّة بنحو 100 مليون دينار. بيد أنّه سُرعان توقّفت الأشغال بعد ظهور إخلالاتٍ فنّيّة خطيرة، عقِب إزالة المدرّجات. تخلّت الدّولة حينها عن فكرة إعادة التّهيئة وانتقلت إلى إعادة البناء، لتقفز الكلفة من 100 مليون دينار إلى 600 مليون
ولسائلٍ أن يسأل هنا كيف يُمكن أن تُحوّل الحكومة وِجهة مشروعٍ عموميٍّ كبيرٍ من التّرميم إلى الهدم وإعادة البناء، بعد سنواتٍ من الأشغال وملايين الدّنانير المهدورة؟ لا نحتاج إلى عناءٍ كبير لاستخلاص أنّ الأمر لا يتعلّق بحادثٍ تقنيٍّ عابرٍ ولا بسوء تقدير، بل بفشلٍ في التّخطيط والمتابعة يستوجب مساءلة المسؤولين عنه
وليس من المبالغة في شيء إن قُلنا إنّ ما كان صرحًا رياضيًّا عريقًا ارتبط به وجدانُ ملايين التّونسيّين بات رمزًا مكثّفًا لطريقة إدارة شؤون الدّولة، شاهدًا على خطورة القراراتِ الفوقيّة، بل وتقلّبها، دون تقييمٍ واضحٍ للكلفة والنّتائج
ولعلّ تصريح سعيّد، في نوفمبر 2023، أكبر دليلٍ على ذلك. فخلال زيارته الملعب، حذّر من أنّ الكلفة – أي الأوّليّة الّتي كانت مقدّرةً بـ100 مليون دينار – ستزيد بنسبة 45% وأنّ التّشقّقات في مقاطع الإسمنت المسلّح والفقاعات الهوائيّة بالموادّ المركّبة الّتي عاينها بنفسه قد تؤدّي إلى كارثة. لكنّه لم يتراجع عن المشروع، بل قرّر استبدال مكتب المراقبة
ولا يتلخّص المشكل في ارتفاع الكلفة فحسب، بل إنّ هناك نقاطًا غامضةً أخرى تحتاج إلى إيضاحات، ليس أقلّها مدى جدوى المشروع وترتيب الأولويّات فيما يتعلّق بالتّمويل، في الوقت الّذي تُواصل فيه الدّولة انتهاج سياساتٍ تقشّفيّة
ولا يختلف ملفّ الملعب الأولمبيّ بالمنزه عن مشاريعَ عموميّةٍ أخرى أعلنها قيس سعيّد بحماسٍ كبيرٍ قبل أن يطويها النّسيان أو تُؤجّل إلى ما لا نهاية، مثل المدينة الطّبّيّة بالقيروان وتوسيع مطار تونس قرطاج الدّوليّ وربط شمال تونس بجنوبها بقطارٍ سريع وميناء المياه العميقة بالنّفيضة
ويُلقي بنا هذا التّخبّط الصّارخ لُقمةً سائغةً لكابوسٍ حقيقيٍّ، إذ بات من المشروع – بل ومن الضّروريّ – التّساؤل عن قدرة الدّولة على إدارة ملفّات أكثر تعقيدًا، مثل تحسين الخِدمات الأساسيّة والبنية التّحتيّة وإصلاح الصّناديق الاجتماعيّة، ناهيك عن المشاريع الّتي ترفض سلطة الأمر الواقع أصلًا الخوض فيها، كمصير المحكمة الدّستوريّة
تابع قيس سعيّد، خلال زيارته إلى الملعب الأولمبيّ بالمنزه المُشار إليها أعلاه: « سنة 1967، عندما تمّ بناء الحيّ الأولمبيّ من طرف شركة بلغاريّة لم يستغرق الأمر نفس الوقت الّذي استغرقته عمليّة التّرميم لجزءٍ من الملعب فقط «
لم ينتبه الرّجل إلى أنّ الهدم سيستغرق وقتًا أطول. فما بالُك بالبناء
بقلم بسام بونني

