مهم ومهم جدا : لا يمكن الاقتصار على قرار خبز النخالة ولا بد من قانون طوارئ مالية حتى ننقذ ما يمكن إنقاذه :

1.قدّرت ميزانية الدولة التونسية لسنة 2026 بحوالي79.6 مليار دينار على فرضيتين أصبحتا بعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بعيدة كل البعد عن الواقع وهما نمو اقتصادي ب3.3% وأسعار عالمية للنفط ب63.3 دولار للبرميل

2. تقديرات صندوق النقد الدولي تقول أنه في أحسن الحالات، ستحقق تونس نموا ب2.1% خلال سنة 2026 وقد يكون أقل بكثير إذا ما استمرت الحرب لفترة أطول وهذا يعني أنه من الصعب جدا بل من المستحيل تحصيل مبلغ 47.8 مليار دينار كموارد جبائية مبرمجة في ميزانية هذا العام. وبالتالي فإن الدولة لن تتمكّن من تحصيل المبلغ المرصود في ميزانيتها لهذا العام

3. في المقابل، كل التوقعات تشير الى أن الأسعار العالمية للنفط لن تكون كما توقعته ميزانية الدولة لهذا العام وهو 63.3 دولار للبرميل وهي مرشّحة لأن تقارب أو حتى تتجاوز ال 100 دولار وهذا يعني كلفة إضافية كبيرة في نفقات الدولة قد تجعل من النفقات الجملية تتجاوز ال80 مليار دينار

4. في الخلاصة، موارد ميزانية الدولة ستتقلّص لأن نسبة النمو ستتراجع ونفقات الدولة ستتفاقم لأن الأسعار العالمية للنفط ارتفعت بصورة كبيرة. وبالتالي فإن ميزانية الدولة كما صادق عليها مجلس الشعب لم تعد واقعية بل هي بعيدة كل البعد عن الواقع

5. الضرورة تقتضي على الأقل إعداد قانون مالية تكميلي وميزانية تكميلية تصحح هذه الأخطاء في الفرضيات وتعيد احتساب ميزانية الدولة التكميلية على هذا الأساس وهذا يقتضي استنباط إجراءات جديدة وتصحيح إجراءات خاطئة في قانون المالية كالفوترة الإليكترونية وغيرها. ولا يمكن الاكتفاء بالقرار الوحيد الذي اتخذه البنك المركزي للحد من الواردات أو بفكرة خبز النخالة للحد من نفقات الدعم، فهي حلول أثارت الكثير من الحبر ولا يمكن لها أن تحقق التوازنات في ميزانية الدولة

6. لكن الحرب لا تزال متواصلة ومصير مضيق هرمز لا يزال في علم الغيب، مرة يفتح ومرة يغلق. والأسعار العالمية للنفط لم تستقر بعد. وبالتالي فقانون مالية تكميلي لا يكفي لإحلال التوازنات المالية الداخلية، بل ما يلزمنا في هذه الظروف الاستثنائية، قانون طوارئ مالية تقدّم فيه عدد من السيناريوهات الممكنة وتقترح فيه الإجراءات حسب كل سيناريو وهذا يقتضي من الآن تكوين خلية طوارئ من أفضل الكفاءات التونسية تعمل في محيط رئيس الجمهورية وتعد كل هذه السناريوهات وتقترح الإجراءات قصد التقليل من التداعيات السلبية للأزمة العالمية التي أحدثتها الحرب الدائرة في الشرق الأوسط

7. فالإجراءات التي وعدت بها الحكومة في قانون المالية لهذا العام لم تعد سهلة التطبيق وهي محفوفة بمخاطر كبيرة وقد تجبر الحكومة لتقديم تنازلات أعلنت سابقا أنها خط أحمر كعودة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي قصد الحصول على قرض منه وما تعنيه من قبول لأهم شرط لهذا الصندوق وهو رفع الدعم عن المحروقات ولا يمكن أن يرضى بهذا الإجراء اليتيم وهو خبز النخالة. وقد تكون حضور الوفد التونسي في اجتماعات الربيع لجس نبظ الصندوق حول هذه المسألة الحساسة

8. هذه التغيرات الجيوسياسية والتي أحدثت صعوبات كبيرة في المالية العمومية قد تجبر الحكومة الى إعادة النظر في بعض الخيارات بالرغم من التعهد السياسي للمضي فيها 

كتأجيل الزيادة في الأجور أو تحديد نسبة ضعيفة لهذه الزيادة لا تسمن ولا تغني من جوع
أو تأجيل الانتدابات في الوظيفة العمومية على الأقل بهذا الحجم (53 ألف موظف جديد)
أو تأجيل تنفيذ المشاريع العمومية المبرمجة في ميزانية الدولة ولو أن وزير الاقتصاد أعلن خلال اجتماعات الربيع أنه لا مجال لهذا التأجيل ولا نعرف إن كان الوزير قادرا على تنفيذ هذا الوعد والذي يتطلب تنسيقا محكما مع وزيرة المالية لأنه يتطلب التنازل عن نفقات أخرى لا نعرف طبيعتها

أو، كما فعلت مصر، الترفيع في أسعار البنزين وهو ما ستكون له تداعيات جد سلبية على المستوى العام للأسعار، إذ أن هذا الخيار سيفاقم بسرعة كبيرة التضخم المالي لكل المواد والخدمات، مما يهدد السلم الاجتماعي ويزيد من الاحتقان الاجتماعي ويمس من تعهدات رئيس الجمهورية حول رفضه لإملاءات صندوق النقد الدولي

رضا شكندالي