خبز النخالة : إصلاح صحي أم مراجعة لنظام الدعم؟

قرار حكومي في تونس يقضي برفع منسوب مادة النخالة في الخبز المدعّم. خطوة فجرت الكثير من الجدل طبيا واجتماعيا. كما أثارت قلق بعض المواطنين المتوجسين من أن تكون بدايةً لسحب الدعم الحكومي عن الخبز

« اليوم لا… ليس بعد.. ربما خلال الأيام القليلة القادمة »، يجيب عوني مدنيني، عامل بمخبزة في حي التحرير، الحي القريب من العاصمة تونس، على أسئلة الزبائن المتكررة حول الخبز الجديد الذي سمعوا عنه في وسائل الإعلام. يقول عوني في حواره  إنّ =الزبائن منشغلون بالأسعار أكثر من تركيبة الخبز

في بداية أفريل  2026، صدر قرار رسمي بتغيير تركيبة الخبز المدعّم عبر إدماج النخالة (القشرة الخارجية الصلبة لحبوب القمح). وسرعان ما تحول هذا القرار إلى مادة دسمة للجدل في الشارع التونسي

تروّج الحكومة لقرارها كـ « إصلاح صحي »، بينما يخشى مواطنون، مثل عماد، وهو أب لخمسة أفراد ويعمل حارسا بإحدى الوحدات السكنية في الحي، أن يكون مقدمة لسحب الدعم أو مراجعته

يتحدث الرجل الخمسيني بنبرة يشوبها القلق لـ »دوتش ويلا » عربية قائلا : نستهلك الخبز يوميا لأنه البديل الأرخص أمام غلاء المواد الغذائية. مع كل هذا الارتفاع الجنوني للأسعار، لم يتبق سوى سعر الخبز على حاله ونتمنى أن يظل مدعوما من قبل الدولة

جودة متدنية وهدر متزايد

تستهلك عائلة عماد نحو 4 أرغفة تقريبا يوميا. لكن تدني جودة الخبز الأبيض وسرعة تلفه، إلى جانب انخفاض سعره (190 مليما/حوالي 6 سنتات)، عوامل ساهمت في ارتفاع الكميات المهدورة، حيث تشير تقديرات المعهد الوطني للاستهلاك، التابع لوزارة التجارة، إلى أن التونسيين يهدرون نحو 42 كلغ من الخبز سنويا لكل أسرة، أي ما يعادل 900 ألف خبزة/رغيفا يوميا

نظريا يدفع هذا الواقع الدولة إلى اعتماد « خبز النخالة »، عبر رفع نسبة استخراج الدقيق إلى 85% بدل 78%، وهذا يعني إدماج جزء أكبر من مكونات القمح

ويوضح يحيى موسى، رئيس الغرفة الوطنية للمخابز بالوكالة، في تصريح إعلامي، أن « الفرق الجوهري هو أننا لم نعد نهدر مكونات القمح أثناء الطحن »، على اعتبار أن الخبز الجديد، المائل إلى اللون البني، يحتوي على ألياف أكثر، ويوفر قيمة غذائية أعلى، كما أنه يدوم لفترة أطول مقارنة بالخبز الأبيض

فوائد صحية مع تحفظات

طبيا، يرى المختصون في تقليص الملح ورفع نسبة الألياف عبر خبز النخالة الجديد خطوة مهمة للحد من أمراض مثل السكري وأمراض القلب

وتوضح اختصاصية التغذية، أميمة بلقاسم، لـ « دوتش ويلا » عربية أن « نسبة الألياف الموجودة في خبز النخالة قد تصل إلى ثلاث مرات أكثر من الخبز الأبيض وهو ما يساعد في تحسين الهضم والإحساس بالشبع وتنظيم عمل الأمعاء

وتحذر بلقاسم من خطورة تناول الخبز الأبيض لقدرته على الرفع السريع لنسبة السكر في الدم مقابل امتصاص أبطأ للسكر مقارنة بخبز النخالة

 » ليس بالحل السحري « 

في المقابل، يطرح البعض تساؤلات حول مدى ملاءمة هذا الخبز لجميع الفئات العمرية، خاصة في ظل غياب سياسة غذائية متكاملة تضمن توازنا صحيا للجميع

ففي الوقت الذي يعد فيه خبز النخالة « مناسبا للبالغين ومرضى السكري ومن يعانون من الإمساك ولمن يرغبون في إنقاص الوزن »، تنبه اختصاصية التغذية، من السماح للأطفال بتناوله بكمية كبيرة لأن الألياف الموجودة فيه تقلل قدرتهم على امتصاص المعادن

وفي تقدير الاختصاصية، يمكن أن يطرح خبز النخالة أيضا بعض المشاكل كالانتفاخ والغازات وأوجاع بالمعدة لمرضى القولون العصبي وكبار السن الذين يعانون من اضطرابات في عملية الهضم وكذلك لمن لم يتعودا على تناول الأغذية الغنية بالألياف

وترى أميمة بلقاسم أن : تعميم خبز النخالة في البلاد خطوة إيجابية لكنه ليس حلا سحريا، فرغم أن تناوله يساعد في تخفيض نسبة الإصابة بالسكري والسمنة وأمراض القلب وتحسن صحة الجهاز الهضمي، تظل هذه الفوائد محدودة ». والسبب في ذلك وفق تحليلها، هو غياب التوعية الغذائيةبضرورة اتباع نظام صحي متكامل مثل تقليل نسبة الدهون والسكر والملح وممارسة الرياضة، عطفا عن ضرورة مراقبة مدى « جودة تحضير الخبز الجديد

نظام الدعم: حماية أم عبء

لكن بخلاف الجدل حول المنافع الصحية، فإن القرار لم يخرج دائرة النقاش حول نظام الدعم المرتبط بالخبز منذ عقود

ويعود نظام الدعم للمواد الأساسية في تونسإلى عام 1970 مع إحداث صندوق التعويض، بهدف حماية القدرة الشرائية. غير أن هذا النظام واجه اختبارا حاسما في « انتفاضة الخبز » عام 1984، حين أدى رفع أسعار الرغيف المدعم إلى احتجاجات واسعة واضطرابات في المدن والشوارع، الأمر الذي أجبر الدولة في نهاية المطاف على التراجع عن هذه الخطوة الحساسة

لكن اليوم، ومع ارتفاع الأسعار عالميا واعتماد تونس الكبير على توريد الحبوب، أصبحت كلفة الدعم عبئا متزايدا، خاصة وأن أكثر من 80% من نفقاته موجهة للحبوب والزيت النباتي

وفي هذا السياق، يرى لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، في تصريح إعلامي، أن الخبز الجديد من شأنه أن يخفف العبء المالي لصندوق الدعم، وذلك بتحقيق وفورات سنوية تصل إلى 300 مليون دينار تونسي (حولي 107 مليون دولار أمريكي)

وبموازاة الجدل، لا يزال زبائن « مخبزة عوني » بحي التحرير ينتظرون إنتاج الدفعة الأولى من الباقات الجديدة لاكتشاف طعمها وسعرها، حيث من المتوقع أن يبدأ العمل في صنع « الخبز الجديد » بمجرد نفاذ مخزونات الدقيق الأبيض

وبين تأكيدات رسمية بالإبقاء على السعر في حدود 190 مليم، ومخاوف شعبية من تغييرات قادمة، تسيطر على الشارع التونسي حالة من التحفظ، اذ لطالما مثّل الخبز في تونس مؤشرا حساسا للاستقرار الاجتماعي

المصدر : DW