المحامي سامي بن غازي يكتب : ماراطون المحاكمات لا يتوقّف

لم نُنهك ولم نُستنزف مثلما أنهكتنا هذه الفترة. قدّمنا كلّ ما لدينا: طاقتنا، صحتنا النفسية والجسدية، أمننا الذاتي وأمن محيطنا العائلي والشخصي. ضحّينا مادياً واجتماعياً، وغادرنا يومياً منازلنا ونحن لا نعلم إن كنّا سنعود أم لا

لنا أحبة وزملاء وأصدقاء ورفاق درب خلف القضبان. نتنقّل بين السجون والمحاكم والنفس يضيق بنا. ماراطون المحاكمات لا يتوقّف، والزيارات لا تنتهي، والمعارك اليومية تستنزف ما تبقّى فينا. نوزّع إعلامات النيابة بين مكاتب التحقيق، ومراكز البحث، والفرق الوطنية، والهيئات الحكمية، ونشعر أحياناً أنّنا نركض وراء سراب. كلّما حقّقنا منجزاً أصابتنا عشر خيبات وانكسارات متتالية، حتى لم نعد قادرين على إحصاء الأيام ولا على نقل الآلام

نحن حفنة من المحامين والمناضلين، يتقلّص عددنا يومياً: بين من التحق بالضفة الأخرى من الزيارة، وبين من لم يعد قادراً على مواصلة المشوار. نحاول إدارة معاركنا بصمت، بتوسيعٍ مُحكم للمجهود، وبأكبر قدر ممكن من النجاعة، لأنّ ما نواجهه أكبر من الأفراد وأقسى من الاحتمال

استُنزفنا…ومع ذلك ما زلنا مطالبين بمواصلة الثبات، ومتابعة القضايا، وملازمة الجلسات، وخوض المعارك السياسية والحقوقية دون توقّف. ثمّ تجد أنّ محيطنا الأقرب، الذي كان الأجدر أن نتكئ عليه لالتقاط أنفاسنا، غير موجود، إن لم يكن هو من يطعننا

ويوماً ما، حين تخلو الساحات وتُغلق الأبواب نهائيا، سيدرك الجميع أنّ هذا الحمل الثقيل كان يُحمل على أكتاف قلة قليلة

سامي بن غازي