قراءة الخبير رضا الشكندالي في تفاقم العجز التجاري للثمانية أشهر الأولى لسنة 2026 و الذي وصل الى 17.8 مليار دينار

1. حجم العجز التجاري خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 يتفاقم من سنة الى أخرى من 11.6 مليار دينار سنة 2024 الى 14.6 مليار دينار سنة 2025 والى 17.8 مليار دينار هذه السنة، أي بزيادة سنوية تقدر ب3 مليار دينار وهذا يعني أن احتياجات الاقتصاد التونسي للعملة الأجنبية تتزايد كل سنة

2. لكن نسبة تغطية الواردات بالصادرات تتراجع كل سنة من 77.7% سنة 2024 الى 73.9% سنة 2025 الى 71.4% هذه السنة، وهذا يعني أن القدرة على التوريد بموارد الصادرات تتقلّص من سنة الى أخرى ولا بد من مصادر أخرى للعملة الصعبة. الدولة التونسية تعوّل منذ سنوات على مداخيل السياحة وتحويلات المغتربين لكن هذه المصادر هشة ومرتبطة بالظرف الاقتصادي الدولي ولا تفي بالحاجة وهو ما يجعل اللجوء الى الاقتراض الخارجي ضرورة ملحّة لكنها مكلفة للغاية بعد قطع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وتثبيت تونس في فئة المضاربة من طرف فيتش

3. هذا العجز التجاري موزع بالتساوي بين العجز الطاقي والعجز خارج الطاقة (8.9 مليار دينار لكل منهما) وهذا يعني أن الأزمة ليست طاقية فحسب، بل تمتد لتشمل عجز القاعدة الإنتاجية الوطنية عن تلبية الحاجيات الحيوية والاضطرار للتوريد المكثف، وتحديداً في المواد الأولية ونصف المصنعة (4.5 مليار دينار) ومواد التجهيز (3.1 مليار ديار) والمواد الاستهلاكية (2.2 مليار دينار)

4. الصادرات تنمو ب 8%، لكنه نمو نمو هش ومبني على محركات ظرفية وموسمية بحتة وليس إقلاعاً صناعياً؛ فقد استند هذا النمو أساساً إلى طفرة كمية في صادرات زيت الزيتون نتيجة صابة وفيرة. لكن أهم القطاعات التصديرية العمالية والمعملية والاستخراجية التقليدية، شهدت تراجعا مهما حيث انكمش قطاع الفسفاط ومشتقاته بـ -12% وتراجع قطاع النسيج والملابس والجلد بـ -4,8% في المائة

5. العجز التجاري منحصر 5 بلدان تتصدرهم الصين (-7,8 مليار دينار)، تليها الجزائر (-3,3 مليار دينار)، ثم تركيا (-2,4 مليار دينار)، ومصر (-2,3 مليار بعد 0.7 سنة 2025)، وروسيا (-1,5 مليار دينار بعد 3 مليار دينار سنة 2025). بينما تسجّل تونس فائضا مهما مع 3 بلدان وهي فرنسا (2,9 مليار دينار)، تليها ألمانيا (+1,2 مليار دينار)، ثم الشريك المغاربي ليبيا (+1 مليار دينار) وهذا يعني أن هامش التصرف لتجاوز هذا العجز المزمن ضعيف

6. نمو الواردات بوتيرة أسرع (+11,6%) مقارنة بالصادرات (+8,0%) يعود إلى أسباب هيكلية وأخرى ظرفية تتعلق بطبيعة الطلب المحلي وباختلالات الجهاز الإنتاجي

قفزة كبرى في الواردات الطاقية والغذائية (التوريد الاستراتيجي الإلزامي) حيث قفزت واردات المواد الطاقية بنسبة +28,5%، وهو ما أدى إلى توسع العجز الطاقي بمفرده إلى -8.9 مليار دينار (ممثلاً نحو نصف عجز البلاد الإجمالي)، مدفوعاً بضغط الأسعار والكميات المستوردة لتغطية النقص الهيكلي في الإنتاج المحلي

أزمة التزود الغذائي: ارتفعت الواردات الغذائية بنسبة +17,1%، نتيجة اضطرابات السوق العالمية وحاجة تونس لتأمين المواد الأساسية والاستهلاكية الحيوية (كالقمح والسكر وغيرهما)
جزءاً هاماً من الواردات محكوم بطبيعة النموذج الاقتصادي التونسي القائم على المناولة والتصنيع التصديري، والذي يستوجب توريد مدخلات الإنتاج. فواردات المواد الأولية ونصف المصنعة نمت ب7,9% وواردات مواد التجهيز ارتفعت بنسبة +6,2% في المائة

7. محركات الصادرات محدودة وقطاعات التصدير العريقة تعاني من صعوبات هيكلية. هناك طفرة صادرات زيت الزيتون (التي بلغت 3.769,7 مليون دينار بفضل صابة وفيرة) وبالمقابل، عجزت القطاعات التصديرية المعملية العريقة عن مجاراة نسق الواردات؛ حيث تراجعت صادرات قطاع الفسفاط ومشتقاته بنسبة -12% وانكمشت صادرات النسيج والملابس والجلد بنسبة -4,8% في المائة
8. الاقتصاد المحلي محكوم بطلبات توريد إلزامية وغير قابلة للضغط على المدى القصير، فمن ناحية هناك حاجة محلية للطاقة في ظل تراجع الإنتاج المحلي، يفرض توريداً مكثفاً بأسعار عالمية ضاغطة. ومن ناحية أخرى، هناك حاجة لتوريد المواد الأساسية ومدخلات الإنتاج: واردات المواد الغذائية ارتفعت ب17,1%، وواردات المواد الأولية ونصف المصنعة ب7,9% وواردات ومواد التجهيز زادت ب6,2% في المائة

9. الاقتصاد التوني يعتمد على محركات موسمية وريعية غير مستدامة مع انكماش قطاعات التصدير المعملية والسيادية

هناك طفرة ظرفية وموسمية متمثلة في صابة زيت الزيتون القياسية (التي رفعت صادرات القطاع الفلاحي بـ +20,8% لتصل إلى 3.3 مليار دينار)
مقابل انكمش قطاع الفسفاط ومشتقاته بنسبة -12% (بسبب أزمات الإنتاج والاستخراج) وتراجعت صادرات النسيج والملابس والجلد بنسبة -4,8% تحت وطأة المنافسة الدولية وتآكل التنافسية

10. تراجع نسبة تغطية الواردات بالصادرات إلى نحو 71.4% له أربع دلالات 

الدلالة الأولى هي تفكك التوازنات الخارجية واتساع الفجوة بين موارد الصادرات بالعملة الصعبة وما يلزم لتوريد السلع من الخارج، مما يضع ضغطاً مباشراً وحاداً على احتياطي البلاد من النقد الأجنبي وقدرتها على تمويل التزاماتها الخارجية

الدلالة الثانية هي أن الاقتصاد التونسي بات يعاني من « عطش استيرادي » متزايد لتغطية الحاجيات الملحة من الطاقة والتزود بالمواد الأساسية والتجهيزات، بنسق أسرع بكثير من قدرة الجهاز الإنتاجي الوطني على توليد قيمة مضافة تصديرية جديدة

الدلالة الثالثة هي أن القاعدة التصديرية هشة وعاجزة عن تمويل التوريد وهي تفتقر إلى الاستدامة التنافسية الكفيلة بتغطية فاتورة التوريد

الدلالة الرابعة : اتساع العجز التجاري يعني تزايد الحاجة الى النقد الأجنبي وبالتالي الى التداين الخارجي ومع قطع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والاكتفاء بمرتبة المضاربة في تصنيف فيتش، سيكون هذا التداين الخارجي صعبا وبتكلفة عالية

11. سجلت الواردات الطاقية نمواً مرتفعاً للغاية بلغ +28,5%تحت تأثير تصاعد الأسعار والكميات المستوردة نتيجة للانخفاض المتواصل في إنتاج البلاد من المحروقات (النفط الخام والغاز الطبيعي) مقابل نمو الاستهلاك
– الكميات المستوردة زادت ب13.1% في المائة
– الأسعار العالمية للنفط زادت ب 13.4% في المائة
12. واردات المواد الغذائية مرتبط بتراجع الإنتاج المحلي من ناحية وبزيادة الاستهلاك؟

هذا الارتفاع مرتبط أساساً بتراجع القدرة الإنتاجية المحلية وليس بزيادة رفهية في الاستهلاك أو نمو ديموغرافي بسيط
واردات المواد الغذائية زادت بنسبة +17.1% نتيجة للنقص الهيكلي الحاصل في الإنتاج المحلي للمنتجات الاستراتيجية (مثل الحبوب، المواد الأساسية، والمدخلات الفلاحية)

سنوات الجفاف المتواصلة في تونس أدت إلى تراجع حاد في صابة الحبوب والمحاصيل الكبرى، مما أجبر الدولة على الالتجاء المكثف إلى الأسواق الخارجية بالعملة الصعبة لتأمين المخزون التعديلي وتلبية الحاجيات الاستهلاكية الضرورية للمواطنين

المفارقة البليغة: الواردات الغذائية تنمو بالرغم من تسجيل « فائض غذائي ». أولا، الصادرات الغذائية تعتمد بالأساس على « محركات ريعية وموسمية استثنائية » أبرزها طفرة صادرات زيت الزيتون (التي بلغت 3.769.7 مليون دينار بفضل صابة زيتون قياسية)، إلى جانب المنتجات البحرية وغيرها. وفي المقابل، تعاني تونس من عجز بنيوي في إنتاج المواد الأساسية للاستهلاك الواسع (كالقمح اللين والصلب، الذرة، والأعلاف، وبعض المواد الغذائية الأخرى)، مما يفرض استيرادها بكميات ضخمة وبأسعار عالمية مرتفعة

13. قطاع الطاقة في وضعه الحالي غير قادر على التحول إلى مصدر دعم مستدام بالرغم من النمو الهام في بعض صادرات الطاقة (مثل ارتفاع مبيعات المواد المكررة بـ +44.3% لتصل إلى 1.115,2 مليون دينار مقارنة بـ 504,2 مليون دينار)، إلا أن هذا التصدير هو تصدير ظرفي وتكريري بحت (يعتمد على معالجة وتكرير مواد أولية مستوردة أو تبادل تجاري حدودي)، وليس انعكاساً لفائض في الإنتاج الوطني الأولي من المحروقات. والدليل على ذلك أن واردات الطاقة قفزت بنسبة +28.5% في غضون عام واحد. هذا الفارق الشاسع يؤكد أن قطاع الطاقة هو « مستهلك صافٍ » للنقد الأجنبي وليس داعماً له. فعلاوة على أن قطاع الطاقة يعاني في تونس من تراجع تدريجي في إنتاج الحقول التقليدية المحلية من النفط والغاز الطبيعي، بالتوازي مع تزايد الطلب الداخلي المحتوم (استهلاك الكهرباء، النقل، والصناعة). هذا الاختلال الهيكلي بين ركود العرض الداخلي وتصاعد الاستهلاك يجعل البلاد مجبرة على الاستيراد المكثف للغاز والمحروقات بأسعار عالمية، مما يحول قطاع الطاقة إلى عبء هيكلي   دائم على الميزان التجاري واحتياطي النقد الأجنبي