تنطلق قريبا مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027. وسنشهد مرة أخرى الطقوس نفسها: جلسات مطوّلة،
وفصول إضافية تُقترح بالعشرات، وتصويت فصلا فصلا، وتصريحات عن «الدولة الاجتماعية». لكن قبل أن ندخل هذه الدورة الجديدة، يجدر بنا أن نطرح سؤالا بسيطا لم يطرحه أحد بجدية: ماذا حلّ بقانون المالية لسنة 2026؟ ما الذي طُبّق منه، وما الذي بقي حبرا على ورق؟
احتياط ضروري
ما يلي حصيلة عمل تحقق أجريته انطلاقا من ثلاثة مصادر. الأول نص القانون كما نُشر بالرائد الرسمي، وهو القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025. والثاني قاعدة بيانات المطبعة الرسمية، وقد راجعت فيها الأوامر الـ274 الصادرة سنة 2026 كلها، وقرارات الوزارات المعنية. والثالث البلاغات الرسمية للوزارات والبنوك العمومية. ولم أعتمد التصريحات الصحفية
المعطيات محيّنة إلى 7 نوفمبر 2026. ومن الوارد أن يكون نص ما صدر ولم يُدرج بعد في قاعدة البيانات، أو صُنّف فيها تصنيفا لم أهتد إليه. وكل معلومة موثقة تثبت العكس آخذها بعين الاعتبار وأصحّح على أساسها. وما لم أتمكن من التثبت منه أذكره صراحة في آخر هذا العرض
ما تحقّق
من بين الفصول التي يتوقف تطبيقها على نص تطبيقي، طُبّقت ثمانية
• العفو الجبائي (الفصل 69)، بقرار من وزيرة المالية مؤرخ في 30 ديسمبر 2025 يضبط روزنامة الدفع، أي قبل أن يدخل القانون نفسه حيز النفاذ، ثم بمذكرة عامة تشرح كيفية الانتفاع
• الترفيع في الأجور والجرايات، بأوامر صدرت يوم 30 أفريل، أي بعد 119 يوما
• صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء، بأمر صدر يوم 19 جوان، أي بعد 169 يوما
• ثلاثة خطوط تمويل لدى البنك التونسي للتضامن، تخص الجهات الأقل تنمية والتمويل الذاتي والفئات الضعيفة، باتفاقيات وُقّعت يوم 30 مارس
• منحة مرضى «كزرودرم» وحساسية دابوق القمح، بقرار مشترك صدر يوم 14 جويلية
• جدولة الديون الفلاحية الصغرى. لم يُعلن عنها البنك الوطني الفلاحي إلا يوم 16 أكتوبر، أي بعد 288 يوما، وبشروط لا تطابق ما نص عليه القانون: الإعلان لا يذكر سقف العشرة آلاف دينار، ويغيّر تاريخ تصنيف الديون، ويضيف شرطا للتخلي عن فوائض التأخير لم يضعه المشرّع
ما لم يتحقّق
سبعة عشر فصلا لم يصدر نصها التطبيقي إلى اليوم، أي بعد 310 أيام من دخول القانون حيز النفاذ. ويطلب القانون صراحة أمرا لتطبيق أربعة عشر فصلا، ولم تصدر الأوامر إلا لفصلين منها. ومن الفصول التي لم تُطبَّق
• «سيارة لكل عائلة» (الفصل 55). هو الفصل الوحيد الذي حدّد فيه القانون نفسه أجلا للإدارة: ثلاثة أشهر لإصدار القرار المشترك، أي إلى غرة أفريل 2026. تجاوزت الإدارة هذا الأجل بـ220 يوما، ولم يصدر القرار
• انتداب أصحاب الشهادات العليا ممن طالت بطالتهم (الفصل 57). لم يصدر الأمر، والمنصة التي أُعلن عنها لم تر النور
• تكفّل الدولة بفارق نسبة الفائدة على قروض المؤسسات الصغرى والمتوسطة (الفصل 28). الامتياز يشمل القروض المسندة منذ جانفي 2026، لكن البنوك لم تستطع تطبيقه منذ ذلك التاريخ لأن الأمر لم يصدر
• صندوق النهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة (الفصل 32)، وتوقيف الأداء على معدات مشاريعهم (الفصل 33). لم يصدر أيّ من الأمرين. في المقابل، أصدرت وزارة المالية يوم 18 مارس 2026 المذكرة العامة عدد 10، التي تنظّم اقتطاع 1% من تعويضات حوادث المرور وحوادث الشغل لفائدة الصندوق، بالخصم من المورد، وبمفعول رجعي من غرة جانفي 2026. صدر إذن النص الذي يجمع المال، وغاب النص الذي يسمح بصرفه
• منحتا أطفال السكري (الفصل 71) وأطفال طيف التوحد (الفصل 81). صيغتا بالطريقة نفسها التي صيغت بها منحة مرضى «كزرودرم»، وهي منحة جديدة مثلهما، ويسند المنح الثلاث الوزراء الثلاثة أنفسهم بقرار مشترك. صدر قرار منحة «كزرودرم» يوم 14 جويلية، ولم يصدر قرارا المنحتين الأخريين. لا شيء في النص يفسّر هذا الفرق
• صندوق المياه (الفصل 65). أُحدث في القانون، لكن الأمر الذي يوفّر له مورده الوحيد لم يصدر. فهو صندوق بلا مال
• التخفيف في كلفة المشاريع العمومية الممولة بقروض خارجية (الفصل 44). لم يصدر أيّ أمر يصنّف هذه المشاريع، فبقي الامتياز دون مستفيد
• صندوق التشجيع على الاستثمار في السينما والسمعي البصري (الفصل 61). لم تصدر الأوامر التي تضبط موارده وطرق استخلاصها. والقانون استثناه من تاريخ النفاذ العام دون أن يحدد له تاريخا آخر، فبقي تطبيقه معلّقا كليا على إرادة السلطة التنفيذية
• الاستيراد التشاركي للمعدات الفلاحية (الفصل 67). لم يصدر الأمر الذي يضبط شروط الانتفاع
• امتيازات التونسيين بالخارج عند إنجاز مشاريعهم (الفصل 83). لم يصدر الأمر. والفصل نفسه ينص على أن النظام القديم يبقى ساريا «إلى حين» صدوره، فالإصلاح الذي صادق عليه البرلمان مؤجّل إلى أجل غير مسمّى
• تخصيص البنك الوطني الفلاحي جزءا من تمويلاته للإنتاج الفلاحي (الفصل 89). لم يصدر الأمران اللذان يتوقف عليهما تطبيقه
• الإعفاء الاستثنائي من ديون الهياكل الصحية العمومية (الفصل 93). لم يصدر قرار وزيري الصحة والمالية، ولا الأمر الذي يضبط إجراءات الانتفاع وآجاله
• صندوق الإحاطة بالأيتام من العائلات المعوزة (الفصل 96). لم نعثر على النص الترتيبي الذي يحدد نسبة مساهمة المؤسسات، وهي المورد الرئيسي للصندوق. فهو صندوق آخر بلا مال
• حسابات العملة للتونسيين المقيمين (الفصل 98). لم يصدر البنك المركزي مذكرة العمل التي تحتاجها البنوك، فلم تُفتح الحسابات
• إدماج أعوان الهيئات العمومية المستقلة المنحلّة (الفصل 109). كلّف القانون رئاسة الحكومة صراحة بإصدار الأمر، ولم يصدر
ما لم أتمكّن من التثبّت منه
• خطّا تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة (الفصل 25) وصغار الفلاحين (الفصل 27). البلاغ الرسمي لموكب توقيع الاتفاقيات يوم 30 مارس لا يذكرهما. ولم نجد ما يثبت إبرام اتفاقيتيهما. وخط صغار الفلاحين مخصص للموسم الفلاحي 2025-2026، فإن لم تُبرم اتفاقيته، يكون موسمه قد انقضى دون تطبيق
• تسعة فصول تقريرية. تخص انتداب أعوان «الآلية 16»، والمرسّمين بقوائم انتظار مساعدي الصحة، وترسيم عملة الاعتمادات المفوضة بوزارة الداخلية، وعاملات النظافة بالبريد، والمتعاقدين والعرضيين بالمستشفيات، وأعوان البلديات المحدثة، وتسوية وضعية المعلمين والأساتذة النواب، إضافة إلى صندوق العدالة البيئية، والترخيص في توريد الطائرات المسيّرة الفلاحية. كلّ منها صيغ في سطر واحد تقريبا، بلا اعتمادات ولا جهة تنفيذ ولا إحالة على نص تطبيقي. وتنفيذها، إن حصل، يمرّ بقرارات فردية لا تُنشر بالضرورة في الرائد الرسمي. لذلك تحتاج إلى تحقيق منفرد مع الوزارات المعنية
الخلاصة
أولا: هذا عمل البرلمان، ولم يقم به. ما عرضته هنا لم يتطلب سوى نص القانون وقاعدة بيانات الرائد الرسمي وصفحات الوزارات، وكلها أدوات متاحة لأي مواطن و تقريبا ثلاثة أيام عمل. أما البرلمان فله لجنة مالية، وكتل، وإدارة، وحق مساءلة الوزراء. ومع ذلك لم يقدّم، حسب علمي، أي تقييم منهجي لتنفيذ قانون صادق عليه بنفسه. فبأيّ معرفة سيناقش قانون 2027، وهو لا يعرف مصير قانون 2026؟ ولنكن منصفين: البرلمان نفسه صادق على تسعة فصول صيغ كلّ منها في سطر واحد، بلا اعتمادات ولا جهة تنفيذ ولا آلية. هذا ليس تشريعا
ثانيا: ما جدوى القانون، بل ما جدوى الآجال، إذا كانت السلطة التنفيذية لا تلتزم بها؟ حدّد المشرّع أجلا صريحا في الفصل 55، وتجاوزته الإدارة بأكثر من سبعة أشهر، دون أن يترتب عن ذلك أيّ أثر. قانون بلا جزاء ليس قانونا، بل إعلان نوايا. والامتناع عن إصدار النص التطبيقي يشتغل كـ«فيتو صامت»: تُلغي السلطة التنفيذية عمليا ما صوّت عليه البرلمان، دون أن تعترض عليه علنا، ودون أن تتحمل كلفة الاعتراض أمام الرأي العام. الدولة فوق القانون بل و تدوس عليه
ثالثا: من يراقب؟ المجالس النيابية لم تقم بدورها، وليس في المؤشرات ما يدل على أنها ستقوم به. ويبقى رئيس الجمهورية. وهنا يتعيّن أن نسمّي الأمور بأسمائها: في ظل دستور 2022، تصدر الأوامر باسم رئيس الجمهورية. الأمر الوحيد الذي صدر تطبيقا لفصل من هذه الفصول يبدأ بعبارة «إن رئيس الجمهورية» ويحمل إمضاءه. فالأوامر الاثنا عشر التي لم تصدر هي أوامر لم يُمضها رئيس الجمهورية. السلطة التي جمعت بين يديها كل الصلاحيات التنفيذية هي نفسها التي لم تنفّذ. فإما أنها لا تهتم، وإما أنها لا تريد، والنتيجة في الحالتين واحدة
رابعا: الدولة تُتقن الاستخلاص، وتتلكّأ في الصرف. قرار وزيرة المالية الذي يضبط روزنامة دفع الديون الجبائية في إطار العفو صدر يوم 30 ديسمبر 2025، أي بعد 18 يوما من نشر القانون، وقبل أن يدخل حيز النفاذ. ومذكرة اقتطاع 1% من تعويضات ضحايا حوادث المرور والشغل لفائدة صندوق ذوي الإعاقة صدرت بعد 76 يوما، وبمفعول رجعي. والمذكرة نفسها تذكّر بأن تسيير الصندوق وشروط تدخلاته تُضبط بأمر. وبعد 310 أيام، لم يصدر هذا الأمر. فالمال يُقتطع من تعويضات المتضررين باسم ذوي الإعاقة، ولا يصل إليهم. والمنطق نفسه يتكرر في بقية الفصول: المنح الموعودة لأطفال السكري وطيف التوحد، وامتياز «سيارة لكل عائلة»، والتكفل بفارق الفائدة للمؤسسات، كلها نفقات أو تخفيف للأعباء، وكلها معطّلة. فحين يتعلق الأمر بما يدخل الخزينة، تتحرك الإدارة قبل أن يجفّ حبر القانون. وحين يتعلق بما يخرج منها لفائدة المواطن، تتذرع بالنصوص التي لم تصدر
قبل أن يصوّت النواب على قانون مالية 2027، عليهم أن يجيبوا عن بعض الأسئلة : ما هو دوركم في هذا البناء القاعدي ؟ و هل لكم صوت مع سلطة تنفيذية إحتكرت القرار و إحتكرت تنفيذه و هل نقاشكم لقانون مالية لا ينفذ فيه الا ما يعجب السلطة و بالقدر التي تراه فيه فائدة للمجموعة الوطنية التي تمثلونها نظريا ؟ فإن لم يكن لهذا السؤال جواب، يصبح التصويت طقسا، ويصبح قانون المالية وثيقة دعائية، ويصبح البرلمان غرفة لتسجيل نوايا لا يُلزم بها أحد و تصبح نزاهتكم الفكرية الفردية على المحك
ملاحظة : النص المرجعي المدقق فصلا فصلا والمصادر والآجال، متاح لمن يطلبه
فوزي بن عبدالرحمان

