توفي الشاب محمد علي بن زيد، أصيل منطقة سيدي حسين والحامل لشهادة إعاقة، بعد أسابيع من إيقافه ونقله إلى السجن المدني بالمرناقية، في وقت كان يعاني فيه مرضًا نفسيًا مزمنًا ويتابع العلاج بمستشفى الرازي منذ سنة 2018، وسط مطالب عائلية بكشف ملابسات وفاته والتحقيق في مدى حصوله على الأدوية والرعاية التي كانت تستوجبها حالته
وكان محمد علي قد أُوقف من منزله يوم 31 جويلية 2026 على خلفية منشورات وتعليقات نشرها على موقع فايسبوك، قبل أن يقضي قرابة أسبوعين في مركز الإيقاف ببوشوشة ويُحال على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب. وتؤكد عائلته أن المنشورات التي كانت محل التتبع صدرت عنه أثناء نوبة مرضية تزامنت مع اضطراب حصوله على أدوية الأعصاب التي كان يتناولها بانتظام
ويتلقى محمد علي العلاج منذ سنوات في مستشفى الرازي، وتستوجب حالته خلال النوبات الحادة أحيانًا إيواءه بالمستشفى إلى حين استقرار وضعه
🚨من بوشوشة إلى المرناقية رغم حاجته للعلاج
خلال فترة الاحتفاظ، طلب محاميه إيواءه للعلاج بالنظر إلى وضعه الصحي، إلا أن ذلك لم يتم، وارتبط الأمر بضرورة عرضه مسبقًا على طبيب مختص
وفي 14 أوت 2026، نُقل محمد علي إلى السجن المدني بالمرناقية. وكانت عائلته قد حاولت منذ إيقافه إيصال أدويته إليه، كما راجعت مستشفى الرازي، حيث أُبلغت بأن نقله للعلاج أو إدخاله إلى المؤسسة الاستشفائية يجب أن يتم بطلب من إدارة السجن
وخلال الزيارة الأولى بعد نقله إلى المرناقية، ظهر في حالة انهيار وكان يطالب بأدويته ويطلب إخراجه من السجن. وفي زيارة لاحقة، لاحظت العائلة تدهورًا حادًا في حالته، إذ أصبح شبه عاجز عن الكلام وعن الوقوف بصورة طبيعية
وأمام هذا التدهور، طالبت العائلة إدارة السجن بالتدخل وتمكينه من العلاج ونقله إلى مستشفى الرازي. وعندما عادت بعد يومين لمقابلة إدارة المؤسسة، أُبلغت بأن محمد علي نُقل إلى مستشفى شارل نيكول، قبل أن تعلم لاحقًا بوفاته يوم الجمعة 27 أوت 2026
وتستنكر العائلة الطريقة التي أُدير بها التواصل معها خلال الساعات الأخيرة من حياة محمد علي، إذ تقول إنها لم تتلق إعلامًا واضحًا ومباشرًا بتدهور حالته أو بنقله أو بوفاته، واضطرت إلى البحث عن المعلومات بنفسها. كما تعتبر أن تعدد الأجوبة وتأخر تقديم المعطيات الدقيقة إليها أدخلاها في حالة من الغموض والارتباك في وقت كانت فيه حياة ابنها مهددة
🚨آثار زرقاء على الجثمان ومطالب بكشف مصدرها
وعند معاينة جثمان محمد علي، لاحظت العائلة وجود آثار زرقاء على أجزاء من جسده، وهو ما دفعها إلى المطالبة بمعرفة مصدر هذه العلامات والظروف التي ظهرت فيها ومدى ارتباطها بما تعرض له خلال فترة الاحتجاز أو بحالته الصحية قبل الوفاة
⚠️⚠️واستعانت العائلة بعدل إشهاد لمعاينة الجثمان وتوثيق حالته قبل الدفن، إلا أنه تراجع لاحقًا عن تسليمها محضر المعاينة. وقد تم تكليف محام لمتابعة القضية واتخاذ الإجراءات اللازمة لكشف حقيقة ما حدث منذ إيقاف محمد علي إلى حين وفاته
🚨السجين المريض نفسيًا له حق في استمرارية العلاج
ينص القانون التونسي المنظم للسجون على أن ظروف الإقامة يجب أن تكفل الحرمة الجسدية والمعنوية للسجين، وأن السجين يتمتع بالرعاية الصحية والنفسية. كما يقر الفصل 17 من القانون عدد 52 لسنة 2001 حق كل سجين في العلاج والدواء داخل المؤسسة السجنية أو بالمؤسسات الاستشفائية عند الحاجة
ولا يقتصر هذا الالتزام على التدخل بعد الانهيار الصحي، بل يشمل ضمان استمرارية العلاج، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة ويعتمد استقرار حالتهم على تناول أدوية محددة بانتظام
وتؤكد قواعد نيلسون مانديلا أن الرعاية الصحية للمساجين مسؤولية تقع على الدولة، وتشمل الصحة الجسدية والنفسية معًا، كما تفرض إحالة من يحتاج إلى علاج متخصص إلى المؤسسات الطبية الملائمة دون تأخير
وفي حالة محمد علي، فإن وجود متابعة سابقة بمستشفى الرازي وحاجة معروفة إلى علاج نفسي منتظم كانا يفرضان تقييمًا طبيًا سريعًا منذ بداية الاحتفاظ، وضمان عدم انقطاع الأدوية، وتحديد ما إذا كان استمرار احتجازه ملائمًا أصلًا لحالته الصحية
⬅️موقف مرصد الحرية لتونس
يعرب مرصد الحرية لتونس عن بالغ استنكاره لوفاة محمد علي بن زيد بعد احتجازه وهو يعاني مرضًا نفسيًا مزمنًا معروفًا وموثقًا، ويعتبر أن انتقاله من شخص يتابع علاجًا متخصصًا إلى حالة انهيار داخل السجن ثم الوفاة يفرض تحقيقًا قضائيًا وطبيًا مستقلًا وشاملًا
ويرى المرصد أن المسؤولية في هذه القضية لا تبدأ من لحظة الوفاة، بل منذ اللحظة التي أصبحت فيها السلطات على علم بوضع محمد علي الصحي وحاجته إلى علاج منتظم ومتابعة نفسية متخصصة
ويعتبر المرصد أن احتجاز شخص يعاني اضطرابًا نفسيًا مزمنًا دون ضمان استمرارية علاجه، رغم تنبيه العائلة ومحاميه إلى وضعه، يمكن أن يمثل إخلالًا جسيمًا بواجب الرعاية بسبب عدم توفير الأدوية أو تأخر في الإحالة الطبية
كما يرفض المرصد التعامل مع المرضى النفسيين داخل منظومة الاحتجاز باعتبارهم مساجين عاديين يمكن إخضاعهم للظروف نفسها دون ترتيبات صحية خاصة. فالسجن ليس بديلًا عن المستشفى، ولا يجوز أن تتحول المؤسسة السجنية إلى مكان لإيواء أشخاص تستوجب حالتهم العلاج داخل مؤسسة نفسية متخصصة
ويستنكر المرصد كذلك عدم إعلام العائلة بصورة فورية وواضحة بتدهور حالة محمد علي ونقله ووفاته، ويحذر من أي محاولة لحجب المعلومات أو تقديم روايات متضاربة أو إبقاء الأسرة في حالة من الغموض
كما يشدد المرصد على أن ظهور آثار زرقاء على الجثمان يفرض فحصًا مستقلاً يحدد طبيعتها وتاريخ حدوثها ومصدرها، ويعتبر أن تراجع عدل الإشهاد عن تسليم محضر المعاينة يستوجب بدوره التثبت، لما يمكن أن تمثله هذه الوثيقة من أهمية في حفظ الأدلة
ويرى المرصد أن قضية محمد علي تكشف حاجة ملحة إلى مراجعة كيفية تعامل أجهزة الأمن والسجون والقضاء مع الأشخاص ذوي الاضطرابات النفسية والإعاقات، وضمان أولوية العلاج والحماية الصحية على منطق الاحتجاز كلما كانت الحالة الطبية تستوجب ذلك
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ
–فتح تحقيق قضائي مستقل وعاجل في وفاة محمد علي بن خميس بن زيد، يشمل كامل الفترة الممتدة من إيقافه يوم 31 جويلية إلى وفاته يوم 27 أوت
–إجراء تشريح شرعي مستقل لتحديد السبب الدقيق للوفاة وطبيعة الآثار الزرقاء الموجودة على جسده وتاريخ حدوثها ومصدرها
–التحقيق في أسباب عدم توفير الدواء له والتأخر في نقله إلى مستشفى الرازي رغم ملفه الطبي ومطالب العائلة والمحامي، وتحديد توقيت عرضه على الأطباء والقرارات التي اتخذت بشأن حالته
–تمكين العائلة ومحاميها من كامل الملف الطبي بالسجن ومستشفى شارل نيكول، وتقارير الفحص والعلاج والنقل ونتائج التشريح
–التحقيق في أسباب عدم إعلام العائلة فورًا بتدهور حالته ونقله ووفاته، وتحديد المسؤوليات عن أي تأخير أو حجب أو تضارب في المعلومات المقدمة إليها
–التحقيق في ملابسات عدم تسليم محضر معاينة الجثمان وضمان حفظ جميع الوثائق والصور والأدلة المتعلقة بالوفاة
–محاسبة كل من يثبت تقصيره في توفير العلاج أو الأدوية أو الإحالة الطبية أو في حماية سلامة محمد علي أثناء احتجازه
–ضمان فحص كل شخص يعاني اضطرابًا نفسيًا أو يحمل شهادة إعاقة فور إيقافه من قبل طبيب مختص، مع إعطاء التقييم الطبي أولوية حاسمة في تحديد ملاءمة استمرار الاحتجاز
–إقرار بروتوكول واضح وملزم لضمان استمرارية علاج المساجين الذين يعانون أمراضًا نفسية مزمنة ومنع انقطاع الأدوية عند النقل بين مراكز الأمن والسجون والمستشفيات
–تمكين الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب والهيئات الحقوقية المختصة من متابعة القضية وزيارة أماكن الاحتجاز والاطلاع على ظروف التعامل مع السجناء ذوي الاضطرابات النفسية
–مراجعة استعمال الإيقاف والسجن في حق الأشخاص الذين تتطلب أوضاعهم الصحية إيواءً أو متابعة داخل مؤسسات نفسية متخصصة، واعتماد العلاج والرعاية بدل الاحتجاز متى كانت الحالة الطبية تقتضي ذلك
في6 سبتمبر 2026
مرصد الحرية لتونس


