في ظلّ ظرف وطني بالغ الخطورة تتسارع فيه مؤشرات الانهيار الاقتصادي وتتعمّق فيه أزمة الحكم مقابل تصاعد مطرد لسياسات القمع والتضييق، عقد المكتب السياسي للحزب الجمهوري اجتماعه الدوري يوم الاربعاء 29 أفريل 2026، حيث خصّص أشغاله لتقييم الوضع العام في البلاد في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في سياق يتّسم بانسداد الأفق وتفاقم الاحتقان بما يهدّد أسس الاستقرار والسلم الاجتماعي
وقد سجّل المكتب السياسي ببالغ الانشغال والاستنكار الانزلاق الخطير للسلطة نحو مزيد من القمع الممنهج عبر تصاعد وتيرة الاعتقالات والاستهدافات التي طالت نشطاء سياسيين وحقوقيين ومدنيين في مناخ تغلب عليه نزعة التشفي والتنكيل وتستعمل فيه مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء كأداة لتصفية الخصوم وإسكات الأصوات المعارضة، ويذكًر في هذا الإطار أن الأمين العام للحزب الجمهوري المناضل الوطني والمعتقل السياسي عصام الشابي مازال وراء القضبان ظلما وبهتانا منذ أزيد من ثلاث سنوات ويدعو مرة أخرى إلى الافراج عنه فورا مع باقي المعتقلين السياسيين كما يدين المكتب السياسي بشدة مختلف الأحكام السجنية الصادرة في قضايا ذات خلفيات سياسية، وقرارات تعليق نشاط عدد من الجمعيات، ويعبر في هذا الصدد عن تضامنه المطلق مع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان بعد القرار الصادر مؤخرا والقاضي بتجميد نشاطها لمدة شهر، ويستنكر المكتب السياسي للحزب الجمهوري تفشي خطاب رسمي وإعلامي يقوم على التحريض والعنصرية وتقسيم التونسيين بما يهدّد النسيج المجتمعي ويغذّي مناخ الكراهية والإقصاء
ويعتبر المكتب السياسي أن هذا التمشي لا يمثّل فقط انتكاسة خطيرة لحقوق الإنسان والحريات العامة بل يعكس أيضا عجزا واضح عن إدارة الشأن العام، حيث يتم اللجوء إلى القمع كبديل عن الحوار وإلى الترهيب بدل الإصلاح في محاولة يائسة لفرض الأمر الواقع والتغطية على الفشل السياسي والاقتصادي
أما على الصعيد الاقتصادي والمالي فقد أكد المكتب السياسي أن البلاد تتجه نحو أزمة خانقة في ظل تفاقم العجز الطاقي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط عالميا وتزايد كلفة التوريد بما يفاقم عجز الميزانية ويثقل كاهل الدولة، كما يسجّل التراجع الواضح في نسق النمو مقارنة بالتوقعات، وهو ما سينعكس مباشرة على نسب البطالة وقدرة الاقتصاد على خلق مواطن الشغل في وقت تشهد فيه القدرة الشرائية للمواطنين تدهورا غير مسبوق بفعل موجة الغلاء المتواصلة. وتزداد هذه الأزمة تعقيدا تحت تأثير التوترات الإقليمية، خاصة الحرب في الخليج وانعكاساتها على الاقتصاد الوطني
كما عبّر المكتب السياسي عن قلقه العميق من تداعيات النزاعات القانونية الدولية المتصاعدة في قطاع الطاقة والتي قد تكلّف الدولة التونسية أعباء مالية ضخمة في ظرف اقتصادي هش بما يهدد التوازنات المالية ويزيد في تقويض مصداقية البلاد، ويحمّل المكتب المسؤولية للخيارات المرتبكة وسوء الحوكمة وغياب الشفافية في إدارة هذا القطاع الحيوي
وفي قراءة شاملة لمجمل هذه التطورات، يشدّد المكتب السياسي على أن تلازم القمع السياسي مع الانهيار الاقتصادي ينذر بانفجار اجتماعي خاصة في ظل غياب أي رؤية إصلاحية جدية واستمرار اعتماد المقاربة الأمنية كوسيلة وحيدة لإدارة الأزمة، وهو خيار ثبت فشله وخطورته
أمام هذا الوضع المتأزم يحمّل الحزب الجمهوري كامل المسؤولية لمنظومة الحكم وعلى رأسها رئيس الدولة، محذّرا من خطورة مواصلة مسار الانفراد بالسلطة وما ينجرّ عنه من تراجع في الحريات وتآكل في مؤسسات الدولة، ويرى الحزب أن تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب تصاعد الضغوط على المعارضين والنشطاء ينذر بمزيد من الاحتقان والتوتر ويهدد الاستقرار العام للبلاد، كما يؤكد أن هذا المنحى من شأنه تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، بما يزيد من تعقيد الأوضاع ويصعّب إيجاد مخارج حقيقية للأزمة
وفي ما يتعلّق بالسياسات الطاقية، يجدد المكتب السياسي تأكيده على أهمية التوجّه نحو الانتقال الطاقي وفتح نقاش وطني شفاف حول الخيارات الاستراتيجية بما في ذلك الطاقات المتجددة في إطار مقاربة تشاركية تضمن مصلحة البلاد واستقلال قرارها
وعلى مستوى أنشطة الحزب قرر المكتب السياسي تنظيم ندوة سياسية خلال النصف الأول من شهر ماي القادم حول موضوع الطاقات المتجددة والانتقال الطاقي، إلى جانب عقد الجامعة الصيفية للحزب خلال النصف الأول من شهر جويلية المقبل، مع الشروع الفوري في الإعداد لها وتوسيع دائرة المشاورات مع القوى السياسية التي تتقاطع مع الحزب في التوجهات بهدف بلورة بدائل وطنية مشتركة
وفي الختام يؤكد الحزب الجمهوري أن إنقاذ تونس يمرّ حتما عبر القطع مع سياسات القمع والانفراد والعودة إلى منطق الحوار والتوافق واحترام الحريات وبناء دولة القانون والمؤسسات، بما يستجيب لتطلعات الشعب التونسي في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية
الأمين العام بالنيابة
عبد اللطيف هرماسي

