قرأت تدوينة الأستاذ عدنان بالحاج عمر حول مبادرة «نَفَس»، وما لفت انتباهي ليس دفاعه عن المبادرة، فهذا حقه الكامل، وإنما محاولة تقديم كل نقد موجّه إليها وكأنه صادر بالضرورة عن «ضيق أفق» أو «أنا متضخمة» أو «خوف من السلطة» أو رغبة في تعطيل «الخلاص
وهنا يبدأ الخلاف الحقيقي
أولًا: قبل أن نُطالب الناس بالإيمان بـ«نَفَس»، من حقهم أن يسألوا: من صاحب الفكرة؟ ومن حدّد أهدافها؟ وإلى أين تريد أن تقود المشهد السياسي؟
السياسة لا تُبنى بالنوايا المعلنة وحدها، ولا بعدد الوقفات والمواعيد، وإنما بوضوح المشروع، والفاعلين فيه، وموازين القوى التي يسعى إلى إنتاجها
ومن غير المقبول أن يتحول السؤال عن طبيعة المبادرة وأهدافها إلى تهمة في وعي السائل أو وطنيته
ثانيًا: أن أكون داخل «نَفَس» أو أن ألتقي مع بعض أهدافها لا يعني أن أوقّع على بياض لكل ما يصدر عنها
المبادرات السياسية ليست طرقًا صوفية، والانضمام إليها لا يقتضي الطاعة ولا تعليق العقل النقدي
بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مبادرة تدّعي التجديد هو أن تبدأ بتصنيف منتقديها إلى «واعين» و«ضيقي الأفق»، وإلى أصحاب «طاقة إيجابية» وأصحاب «طاقة سلبية
فالسياسة ليست جلسة في التنمية البشرية
السياسة اختلاف في الرؤى والمصالح والبرامج والتحالفات
ثالثًا: الإشكال عندي أعمق من الأشخاص
ما أخشاه في المسار الذي يدافع عنه عدنان بالحاج عمر هو أن تتحول «نَفَس» تدريجيًا إلى فضاء لإعادة ترتيب الطاولة السياسية القديمة تحت عنوان جديد؛ طاولة يُدعى إليها في نهاية المطاف المتناقضون جميعًا، بما في ذلك حركة النهضة والحزب الدستوري الحر، ثم يقال لنا إن ذلك هو «الواقعية» وإن الجميع مطالب بتقديم التنازلات من أجل «الخلاص
لا
هناك خلافات سياسية يمكن التفاوض بشأنها، وهناك اختلافات تتعلق بجوهر المشروع السياسي للدولة ولا يمكن إخفاؤها تحت طاولة حوار حتى يبدو المشهد جميلًا في الصورة
ولا يجوز تحويل شعار «توحيد المعارضة» إلى وسيلة لمحو الحدود السياسية والفكرية بين المشاريع
رابعًا: أقولها بوضوح: «نَفَس» بالنسبة إليّ ليست فوق النقد
وإذا كانت مبادرة قوية فعلًا، فلن يخيفها سؤال ولن يهددها اختلاف
أما مطالبتنا بالصمت حتى لا «ننشر الشكوك والطاقة السلبية»، فذلك منطق عجيب في السياسة: المطلوب أن نصفق حتى تنجح المبادرة، ثم نناقشها بعد ذلك
نحن نناقشها الآن تحديدًا لأن مستقبل البلاد أهم من نجاح أي مبادرة وأهم من طموحات أي شخص
خامسًا: كانت هناك قبل «نَفَس» محاولة لبناء مبادرة وطنية « الالتزام الوطني » تقوم على مبادئ سياسية واضحة، وتحدد الحد الأدنى الذي يمكن أن تلتقي حوله القوى المدنية والديمقراطية دون تمييع هويتها أو خلط المشاريع المتناقضة
ومن هنا يحق لنا أيضًا أن نتساءل
هل جاءت «نَفَس» لتوسيع ذلك النفس الوطني؟
أم جاءت، موضوعيًا، لتسحب منه الهواء وتعيد خلط الأوراق؟
لأن تعدد المبادرات ليس فضيلة في حد ذاته. فإذا كانت النتيجة تفتيت الجهد، وتشتيت القوى، وإعادة إنتاج نفس الحسابات القديمة في ثوب جديد، نكون قد غيرنا الأسماء ولم نغير السياسة
وأخيرًا، استوقفتني عبارة الأستاذ عدنان: ماذا كان سيحدث هذه الصائفة لو لم تكن «نَفَس» موجودة؟
وأنا أقلب السؤال
ماذا ستفعل «نَفَس» غدًا؟
ما مشروعها؟
ما خطوطها الحمراء؟
ما موقفها من الإسلام السياسي؟
ما موقفها من منظومة 25 جويلية؟
ما تصورها للانتقال الديمقراطي؟
ومع من تريد أن تحكم؟
هذه هي الأسئلة السياسية الحقيقية، لا عدد الوقفات ولا الصور ولا البيانات
أما شعار «نَفَس»، فأخشى أن يتحول، إذا استمر منطق التخوين الناعم لكل من ينتقدها، من محاولة لإعطاء البلاد نَفَسًا جديدًا إلى مشروع هدفه السياسي العملي إخماد جميع الأنفاس الأخرى حتى لا يبقى في الساحة إلا نَفَس واحد
ونحن لا نبحث عن «نَفَس» يحتكر الهواء
نحن نبحث عن وطن يستطيع الجميع أن يتنفس فيه، ولكن على أساس مبادئ واضحة، لا صفقات ملتبسة ولا موائد تُجمع حولها المشاريع المتناقضة من أجل اقتسام ما تبقى من الكعكة
محمد كريم كريفة

