روح 13 أوت أو عندما يثور القانون على العقلية السائدة

يكشف الجدل المتجدد حول مجلة الأحوال الشخصية أن الديمقراطية لم تتحول بعد إلى ثقافة راسخة؛ فالديمقراطية ليست انتخابات فحسب، بل هي قبل كل شيء حرية ومساواة ورفض للتمييز

كانت مجلة الأحوال الشخصية، عند صدورها سنة 1956، ثورة تشريعية حقيقية، لأنها تجرأت على تغيير قواعد راسخة في المجتمع والفقه السائد آنذاك : فحظرت تعدد الزوجات، ونظمت الطلاق قضائياً، وأعادت بناء العلاقات الأسرية على أسس أكثر اقتراباً من المساواة بين الرجل والمرأة

وهنا تكمن قيمة التشريع الثوري: القانون لا ينتظر دائماً تغير العقليات، بل يستطيع أن يساهم في تغييرها وفتح الطريق أمام المجتمع نحو المستقبل

لكن الوفاء لمجلة الأحوال الشخصية لا يعني اعتبارها نهاية التاريخ. فكما امتلك المشرّع سنة 1956 شجاعة تجاوز موروث عصره، علينا اليوم أن نمتلك الشجاعة نفسها لمواصلة الإصلاح حيثما بقي التمييز قائماً، سواء بين الرجل والمرأة أو بين المواطنين بسبب الدين أو المعتقد

لذلك، فإن 13 أوت ليست مجرد ذكرى للاحتفال بما أنجزه الماضي، بل مناسبة لطرح سؤال المستقبل: هل ما زلنا نملك شجاعة تغيير القانون عندما يصبح بعض أحكامه عائقاً أمام الحرية والمساواة؟

فالثورة التشريعية لا تكون ثورة إذا توقفت عند حدود الماضي، والقانون الذي حرر الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى قيد على تطلعاته

وتونس، بما راكمته من رصيد إصلاحي وفكري وتشريعي، تظل من أكثر المجتمعات العربية تأهيلاً لمواصلة هذه المسيرة والاقتراب من قيم الحرية والمساواة التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة

وفي هذه المناسبة، أتوجه بأصدق التهاني إلى المرأة التونسية، وأدعوها إلى مواصلة المسيرة التي بدأتها نساء تونس منذ عقود، دفاعاً عن حريتها وكرامتها ومساواتها الكاملة

كل عام والمرأة التونسية حرة، قوية وشريكة كاملة في صناعة مستقبل تونس

ومواصلة المسيرة ليست خروجاً عن روح 13 أوت، بل هي الوفاء الحقيقي لها

أمين محفوظ