لدينا الآن ما يفسّر بوضوح الحرب الدائرة رحاها بين النظام والمنظومة. المحسوبون على المنظومة يفكرون في تلوث البيئة وخطره على الصحة العامة، ويطالبون بتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة وينتقدون تلكؤ السلطة وعجزها. يقابلهم على الضفة الأخرى أنصار النظام يمثلهم في ذلك المشهد الذي لم يأت بمثله «جورج أورويل» لا في «1984» ولا في «مزرعة الحيوان» الرجل الأصلع الذي قال للرئيس: «اضرب احنا معاك»، والمنبهرون على صفحات التواصل الاجتماعي بحذاء الرئيس
هكذا تمنحنا زيارة قيس سعيد إلى قابس مبررات إضافية للوقوف في وجه الشعبوية، ومحاربتها بكل الوسائل لاستعادة البلاد من أيدي السطحيين والغوغائيين والرعاع. إن الهوة الفاصلة بين من يدافع عن الحق في الحياة ومن يمتدح حذاء الرئيس أصبحت بمثابة الثقب الأسود الذي يبتلع كل شيء حتى الضوء، هوة نحن مانزال نقاوم بالكتابة جاذبيتها خوف أن تبتلعنا فينسدل ستارُ النهاية على هذا البلد الجميل الذي ولدنا فيه ونشأنا وعشنا تحت جناحيه أجمل سنين العمر ويحزننا اليوم أن يتردى به بعض أبنائه إلى أبعد من الحضيض
نحارب الشعبوية لأنها بكل بساطة ليست تيارا سياسيا يمكن مجادلته، بل خديعة ينبغي مقاومتها. فعندما يرفع المواطنون في وجه السلطة شعارات تطالب بتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة، ويقول الرئيس إنهم يطالبون بتفكيك الفساد، ينبغي أن ننتبه إلى أن شعار «الشعب يريد» لا يفهم إلا في ظل المبدأ الذي يشرع للاستبداد «أنا الشعب»، لقد حدث سابقا أن عبر المواطنون في استفتاء عام عن رفضهم تغيير الدستور، ومع ذلك غيره الرئيس! ولذلك فهذه ليست المرة الأولى التي يثبت فيها بالحجة والدليل «حوار الطرشان» بين الشعب ورئيسه، ويا لسخرية اللغة حين تقول وسائل الإعلام إن الرئيس أصغى إلى مشاغل المواطنين وهو في الواقع يستمع إلى أفكاره وهواجسه وقناعاته التي يتخبط فيها ولا يستطيع الفكاك منها كمن وقع في مصيدة
بعد مضي سنة على تأزم الوضع البيئي في قابس يزور الرئيس الولاية حاملا لمواطنيها خفي حنين، تاركا لأنصاره صورة الحذاء يتلهون بها بعد عودته إلى قرطاج. المشهد ذاته يتكرر دائما في مناطق مختلفة من الجمهورية والعربة متوقفة في العقبة، فلا صلحت فسقية القيروان، ولا وضعت آجرة واحدة في مستشفى الملك سلمان، ولا نعلم شيئا عما حصل لطاحونة الدهماني، يحدث هذا بعد أن أصبح ملعب المنزه أيقونة للفشل والخيبة والإحباط، أما مدينة الأغالبة الصحية بكل ما رافق الإعلان عنها من وعود خلبية فوصمة عار على جبين السلطة التي تمتلك كل شيء ولا تستطيع فعل شيء، كأنما هي المعنية بقول الله عز وجل : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
وأمام التكرار الأجوف للشعارات ذاتها عن الحرب والصمود والمؤامرات والدسائس والموظفين المتقاعسين والوطنيين الصادقين الذين ينتظرون الفرصة للانقضاض على كعكة الوظيفة العامة، وأمام الإرجاء المستمر والتسويف والمماطلة وتمطيط الزمن السياسي ووعد الحكومة بقطف ثمار الإصلاحات الكبرى بعد عشرين عاما أخرى من البؤس والفقر والعوز، أمام هذا الخطاب الرث العاجز عن تغيير أحوال الناس إلى الأفضل لا ننتظر شيئا من هذا النظام ولو بعد ألف عام
لقد نفضنا أيدينا
بقلم عامر بوعزة

