في ذكرى الإعلان عن الجمهورية: لا جمهورية دون حقوق وحريات
تحيي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان اليوم مع سائر التونسيون والتونسيات الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية؛ وهي مناسبة تستحضر فيها ما مثّلته الجمهورية من تحول تاريخي في مسار الدولة التونسية، وما حمله هذا الخيار من تطلعات إلى بناء مجتمع يقوم على المواطنة، والمساواة والحرية والعدالة
وإذ يُحيِّي الرابطيون والرابطيات، في هذا التاريخ، أجيال التونسيين الذين آمنوا بقيم الجمهورية وتضحية العشرات بدمائهم أو بحريتهم من أجل بناء دولة القانون والمؤسسات، دولة ذات سيادة فعلية وعادلة بين أبنائها وجهاتها، فإنّهم يؤكدون على أن الجمهورية في معناها العميق المتوافق مع المعايير الدولية، لا يمكن أن تستقيم إلا بتوفر جملة من الأسس أبرزها سيادة الشعب باعتباره مصدر الشرعية والتداول السلمي على السلطة ودولة القانون والفصل بين السلطات وضمان الحريات الأساسية العامة والخاصة لجميع المواطنين والمواطنات دون تمييز. وفي هذا السياق يهم الرابطيات والرابطيون التساؤل عمّا تحقّق للتونسيين من تلك المقاييس، وقد مرّت ثمان وستون سنة من إعلان النظام الجمهوري وأكثر من خمسة عشر سنة بعد الثورة وخمس سنوات من سيطرة الرئيس قيس سعيد المطلقة على السلطة
تعود ذكرى إعلان الجمهورية هذه السنة وكل التقارير المستقلة مُجمعة على أنها تأتي في ظرف وطني دقيق، يتزايد فيه الانشغال من توسّع الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تعيشها البلاد؛ وذلك بسبب فشل النظام في ضمان الحقوق الأساسية لأغلب فئات المجتمع التونسي، وقد أكّدت موجة الحرّ الأخيرة ذلك حين عجزت الدولة عن ضمان الأدنى منها كالماء والتيارالكهربائي. وهذا ما يجعل فئات واسعة من التونسيين يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين شروط العيش الكريم بسبب تراجع القدرة الشرائية وتدهور خدمات المرافق العمومية، هذا في ظل الإحساس بالهشاشة وفقدان الأمل لدى قطاعات واسعة من المجتمع
وتعود الذكرى، ومبدأ سيادة الشعب مُغيّب بسبب احتكار رئاسة الجمهورية لكل السلط وبسبب وضع يدها بالكامل على القضاء والإدارة وعدم وجود أي فصل واقعي للسلط؛ ووسط غياب مؤشرات على ضمان تداول سلمي للسلطة لأسباب مختلفة لعل أهمها عدم تركيز محكمة دستورية. وتعود الذكرى في ظلّ توظيف القضاء والقوانين الزجرية للمساس بالحقوق الأساسية الفردية والجماعية وفي ظل التضييق المستمر على جمعيات المجتمع المدني… وتعود الذكرى، والعشرات من التونسيين يقبعون في السجون في ظروف لا إنسانية بتُهَم سياسيّة أو من أجل رأي لا يروق للسلطة التنفيذية، ووسط تواصل الإيقافات والمحاكمات التي تطال الصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ وتعود الذكرى وسط انتشار مفزع لخطاب الكراهية والتخوين والتهديد المتواتر والمُمنهج وبدون رادع للمعارضين… تعود ذكرى الإعلان عن النظام الجمهوري وسط عجز عن مواجهة التلوث، خاصة بجهة قابس، وعن مواجهة الجوائح الطبيعية ولا سيما الحرائق التي تجتاح هذه الأيام ألاف الهكتارات في مناطق عديدة من البلاد
وإذ تجدّد الرابطة التذكير بمواقفها السابقة بأن معالجة الأوضاع السابقة لا يمكن أن تتم خارج إطار دولة القانون والمؤسسات، ولا بالتضييق على الحريات أو بسياسة إضعاف المجتمع المدني والحد من المشاركة في الشأن العام، فهي تؤّكد مرة أخرى على وجوب توخي سياسات عمومية مؤسساتية تجعل من الحوار وعدم الإقصاء وإشراك القوى الاجتماعية والمدنية عنصرا محددا في البحث عن حلول واقعية ومستدامة
وفي الوقت الذي تعرب فيه مجدّدا عن بالغ انشغالها بتواصل التضييق على الحقوق والحريات، فإن الرابطة تعتبر أن حماية الحقوق والحريات وضمان حرية التعبير والصحافة والإعلام والحق في التنظيم والتجمع السلمي واستقلال المرفق القضائي وضمانات المحاكمة العادلة هي جميعها من المقومات الأساسية لأي نظام جمهوري ديمقراطي. كما تشدد الرابطة، في هذه المناسبة، على أن الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية غير قابلة للتجزئة، وأن الحق في الحرية والكرامة لا ينفصل عن الحق في العمل والصحة والتعليم والنقل والسكن والعيش الكريم؛ ولذا تدعو إلى اعتماد سياسات اجتماعية واقتصادية تجعل من أولوياتها ضمان العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتنمية المتوازنة بين مختلف الجهات والفئات
وإذ تؤكد الرابطة، بهذه المناسبة، تمسكها بدورها التاريخي في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وتجدد التزامها الثابت بالدفاع عن دولة القانون والمؤسسات، وعن الحقوق والحريات، وعن مجتمع يضمن الكرامة والعدالة والمساواة لجميع التونسيات والتونسيين، فإنها تدعو جميع القوى المؤمنة بدولة القانون والمؤسسات في البلاد إلى التمسك بآليات الدولة المدنية في حلّ الاختلاف، وإلى العمل من أجل تجاوز حالة الاحتقان والانقسام الحالية. وفي هذا السياق تعتبر الرابطة أنّ مباشرة السلطة فتحَ حوار جدّي مع المكونات السياسية المدنية وإطلاق سراح المساجين السياسيين والصحفيين والمحامين وكل المواطنين الموقوفين بسبب آرائهم او انتماءاتهم يمكن أن تكون إجراءات قد تعيد الأمل وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة
إن الاحتفال بعيد الجمهورية لا ينبغي أن يكون مجرد استحضار لحدث تاريخي، بل مناسبة لمراجعة الواقع السياسي والاجتماعي، واستحضار المسؤولية الجماعية في الدفاع عن قيم الجمهورية ومؤسساتها والوفاء لتضحيات أجيال التونسيين والتونسيات دفاعا تلك القيم
عاشت الجمهورية، عاشت تونس حرة، ديمقراطية، عادلة، ومنتصرة للحقوق الكونية
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
عن الهيئة المديرة
الرئيس
بسام الطريفي

