تحلّ الذكرى التاسعة والستون لإعلان الجمهورية في تونس في ظرف تتجدد فيه الحاجة إلى التأكيد على المبادئ التي قام عليها النظام الجمهوري وفي مقدمتها سيادة القانون والفصل بين السلط واستقلال السلطة القضائية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لدولة القانون والضمانة الجوهرية لحماية الحقوق والحريات
وإذ تستحضر جمعية القضاة التونسيين الدلالات الوطنية الجوهريّة لهذه المناسبة ونضالات أجيال من التونسيين والتونسيات من أجل بناء دولة مدنية قوامها سيادة القانون والفصل بين السلط واستقلال القضاء ، فإنها تؤكد أنّ صون النظام الجمهوري لا يقاس بمجرد الحفاظ على شكله، وإنما بمدى احترام مقوماته الأساسية وفي مقدمتها استقلال السلطة القضائية باعتبارها سلطة مستقلة تضطلع بدور جوهري في ضمان الحقوق والحريات وحسن سير مؤسسات الدولة
وإذا كان القضاء التونسي قد عرف في مراحل مختلفة من تاريخ الجمهورية محاولات للتأثير في القضاء وإخضاعه لإرادة السلطة التنفيذية، فإن ما شهدته البلاد منذ 25 جويلية 2021 يمثل أخطر انتكاسة عرفها مسار استقلال السلطة القضائية منذ إعلان الجمهورية أفضت إلى تراجع غير مسبوق في الضمانات المؤسساتية والقانونية لاستقلال السلطة القضائية بما أثر جوهريا في استقلال القضاء وفي التوازن بين السلطات وذلك من خلال
– إقدام السلطة التنفيذية على حل المجلس الأعلى للقضاء الدستوري والمنتخب في فيفري 2022 وتعويضه بهيكل مؤقت خاضع لسلطة التعيين، في خرق جسيم لمبدأ استقلال السلطة القضائية وللمعايير والمواثيق الدولية الضامنة لاستقلال القضاء بما مهّد لإخضاع القضاء كليا لإرادة السلطة التنفيذية
– الإخلال الجسيم بمبدأ الفصل بين السلط بإعفاء سبعة وخمسين قاضيًا وقاضية من قبل رئيس الجمهورية خارج أي ضمانات قانونية في جوان 2022 وعدم احترام قرارات المحكمة الإدارية والمحكمة الافريقية لحقوق الإنسان والشعوب الصادرة لفائدة القضاة المعفيين ظلما،
– إرساء واقع لما يقارب الخمس سنوات أصبحت فيه السلطة التنفيذية وخاصة وزارة العدل تتولى بصورة مباشرة إدارة المسارات المهنية للقضاة من خلال النقل والتسمية والتكليف بمذكرات عمل تصدر على مدار السنة، في غياب الضمانات القانونية والمؤسساتية وهو ما مسّ باستقرار القضاة المهني والاجتماعي وألحق بهم وبعائلاتهم أضرارًا جسيمة نتيجة النقل التعسفي والتعيينات البعيدة عن مقر إقامتهم،
ولم يقتصر الاستهداف على السلطة القضائية، بل طال أيضًا العمل الجمعياتي المستقل للقضاة، حيث تعرضت جمعية القضاة التونسيين، باعتبارها المدافع التاريخي عن استقلال القضاء إلى حملات استهداف ممنهجة بغاية حرمان القضاة من الحرية التعبير والتنظم انتهت بإصدار حكم بات يقضي بسجن رئيسها القاضي أنس الحمادي، لمدة سنة مع الإذن بالنفاذ العاجل، على خلفية نشاطه الجمعياتي وتحمله مسؤولية الدفاع عن القضاء المستقل في سابقة خطيرة مثّلت مساسًا بحرية العمل الجمعياتي وبحق القضاة في الدفاع عن استقلال سلطتهم
وإنّ جمعية القضاة التونسيين، وهي تستحضر هذه الذكرى الوطنية لعيد الجمهورية، تؤكد أن المساس باستقلال القضاء لم يعد يقتصر على استهداف القضاة، بل انعكس بصورة مباشرة على حقوق المواطنين، وعلى ضمانات المحاكمة العادلة، وعلى ثقة المتقاضين في القضاء، خاصة في القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات العامة والفردية، بما أضر بصورة القضاء التونسي داخليًا وخارجيًا
إنّ الجمهورية ليست مجرد نظام للحكم، وإنما هي منظومة مؤسسات تقوم على التوازن بين السلطات وخضوع الجميع للقانون ولا يمكن الحديث عن جمهورية حقيقية في ظل سلطة قضائية فاقدة لاستقلالها أو خاضعة لإرادة السلطة التنفيذية
وإذ تحيي جمعية القضاة التونسيين الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية،
فإنها
• تؤكد أن استقلال السلطة القضائية هو أحد أهم مقومات النظام الجمهوري، وضمانة أساسية لحقوق المواطنين وحرياتهم
• تجدد مطالبتها بإعادة إرساء مجلس أعلى للقضاء مستقلّ ومنتخب يتمتع بكامل صلاحياته طبقًا للمعايير الدولية لاستقلال القضاء
• تدعو إلى وضع حد لكل أشكال التدخل في تسيير المسار المهني للقضاة وضمان استقرارهم الوظيفي واحترام الضمانات المقررة لهم
• تجدّد تمسكها بإرساء المحكمة الدستورية باعتبارها الضامن لاحترام الدستور وصيانة النظام الجمهوري
• تجدّد تمسكها بإيقاف التتبعات القضائية ضد رئيس جمعيّة القضاة وإيقاف أيّ استهداف للجمعية
• تعبر عن تضامنها المطلق مع جميع القضاة الذين تعرضوا للإعفاء أو النقل التعسفي أو التتبعات بسبب تمسكهم باستقلال القضاء
وفي هذه المناسبة، تجدد جمعية القضاة التونسيين عهدها للشعب التونسي بمواصلة الدفاع، بكل الوسائل المشروعة، عن استقلال السلطة القضائية وعن دولة القانون وعن حق كل مواطن في قضاء مستقل ومحايد، باعتبار ذلك جوهر المشروع الجمهوري وأحد أهم مكاسب الدولة الحديثة
عاشت الجمهورية.
عاش القضاء مستقلاً.
عاشت جمعية القضاة التونسيين حرة، مستقلة، ومناضلة من أجل استقلال القضاء وسيادة القانون.
عن المكتب التنفيذي
نائبة رئيس الجمعية
عائشة بنبلحسن

