خمس سنوات من الحكم الفردي المطلق، في بلد اعتقد شعبه ذات يوم أن الاستبداد السياسي أصبح جزءا من الماضي، ورفعت النخب فيه شعار: «لا خوف بعد اليوم». خمس سنوات عاد فيها الخوف وعاد فيها القمع وعاد فيها الصمت وخيّم على الأرواح أبشع مما كان. وفيما تستمرّ حركة التاريخ في التقدّم بسرعة تطلّ معها الإنسانية على آفاق مذهلة يستمرّ تراجعنا المؤلم على كل المستويات: نحن لم نكتف في هذه الخماسية الأخيرة بعدم إنجاز شيء يُذكر، بل فرّطنا في مكاسب ما كنّا نتوقّع يوما أن نفرّط فيها. فهل يلام من يحنّ إلى الماضي؟
التراجع الحادّ في القدرة على تغطية حاجات المجتمع من الماء والكهرباء في هذه الصائفة دليل واضح على فشل النظام القائم في إدارة الدولة. والمواطنون يتقبلون بإذعان تام مخرجات هذا الفشل! فلم يعد انقطاع الكهرباء أو البقاء ساعات طويلة في حرارة قياسية بلا ماء هو المشكلة، بل عدم تنظيم الانقطاعات بدقّة، وعدم توزيعها على الجميع. وفي مثل هذه المواقف يظهر شعبنا قدرة كبيرة على تحمّل البؤس وأريحية قصوى في التعامل مع الفشل وكأنهما قضاء الله وقدره وليسا اختيارا شعبيا كان يمكن ألاّ يكون
الأزمة السياسية في تونس لها حينئذ وجهان: وجه يتعلّق بالنظام الذي لم يكتف بتحطيم منجزات الانتقال الديمقراطي القليلة المتبقية مثل التداول السلمي على السلطة وحرية التعبير، بل مضى إلى أبعد من ذلك بكثير بتحطيم عوامل الاستقرار الاجتماعي والكفاف الاقتصادي اللذين كان نظام «بن علي» شديد الحرص عليهما في مقابل تضييق الخناق على الحريات. أما الوجه الثاني فيتعلّق بالجمهور الذي تنطلي عليه بسهولة شعارات مُفخّخة من نوع «لا رجوع إلى الوراء»، وقد يصدّق جزء كبير منه أنه فعلا بصدد تغيير مصير العالم والتأثير في مستقبل الإنسانية، يفكّر في هذا وهو ينتظر تحت شمس صارمة تذيب الحديد سيارة نقل ريفي لا تأتي
الثابت الآن أن البناء القاعدي الذي مثّل حجر الأساس في مشروع الرئيس قيس سعيد لم يفض بعد إلى أي نتيجة ملموسة، وكل الدلائل الموضوعية تؤكد أنه لن يفضي إلى شيء. فمخطط التنمية الجديد لا يختلف كثيرا عن أي مخطط سابق وإن اختلفت طريقة صياغته. والثابت أيضا أن الشركات الأهلية ليست البديل الاقتصادي الذي يمكنه رفع نسب النمو وخلق فرص العمل، فضلا عن كونها تمثل عبئا ماليا بالنظر إلى ما تتمتع به من امتيازات ريعية ومن تجسيد لا يقبل الشك للزبونية. والثابت كذلك أن الصلح الجزائي لم ينجح، وأن الأموال المنهوبة لم تعد ولن تعود، وحتى إن عادت فهي لا تعني شيئا أمام نهم المالية العمومية المتصاعد: ما يدفع بالضرورة إلى وضع شعاري المشروع في عهدتيه الرئاسيتين تحت المساءلة التاريخية والأخلاقية: هل فعلا الشعب هو الذي يريد؟ وأين هو البناء والتشييد؟
من المؤكد أن بلادنا ستعود في يوم ما إلى سالف عنفوانها وتمام بهجتها وأن موجة الإحباط والغم ستنقشع عن سمائنا، كما أن نار الحقد والبغضاء التي سرت مثل النار في هشيم المشاعر ستندحر وتخبو أمام أول حدث يوقظ أجمل ما فينا ويعيدنا إلى ذواتنا التي فقدناها، من المؤكد أن تونس ستصبح أفضل مما هي عليه بفضل عقول وسواعد تؤمن بالمستقبل وتتطلع إليه، ومن المؤسف أن ذلك لن يحدث في المدى المنظور
بقلم عامر بوعزة

