قبل نحو عام، وقف وائل نوار على متن قارب في ميناء سيدي بوسعيد على الساحل التونسي، ملوحا بيديه لآلاف التونسيين الذين احتشدوا لتوديع أسطول الصمود وهو يستعد للإبحار نحو غزة
رفرفت الأعلام الفلسطينية وتعالت الهتافات من حشود المشجعين، فيما استعدت عشرات القوارب للإبحار في محاولة لكسر الحصار البحري الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة وتوصيل المساعدات الإنسانية
بالنسبة لشريحة من التونسيين، كان ذلك المشهد لحظة ولادة بطل شعبي
أما اليوم فقد انطفأ البريق وخالف الواقع التوقعات بالنسبة لنوار ورفاقه وعائلته
يقبع نوار، وهو ناشط سياسي تونسي وصوت معارض قوي، في سجن المرناقية خارج العاصمة، حيث دخل إضرابا مفتوحا عن الطعام منذ 38 يوما احتجاجا على استمرار حبسه، بانتظار المحاكمة بتهمة ارتكاب مخالفات مالية من بينها غسل أموال وجمع مساعدات بشكل غير قانوني
ينفي نوار الاتهامات بكل إصرار، فيما تقول عائلته ومحاموه وجماعات من المجتمع المدني إن القضية ملفقة وتستهدف بالأساس نشاطه المدني
وتقول السلطات إن القضية تتعلق بتحقيق قضائي ومالي ولا دخل للسياسة فيه
أصبح اعتقال نوار أحدث موضوع للجدل ونقطة للتوتر في تونس، حيث تواجه حكومة سعيد انتقادات من جماعات حقوقية بشأن ملاحقات تطال سياسيين وصحفيين ونشطاء في المجتمع المدني
وتقول عائلته ومحاموه ونشطاء حقوقيون إن حالته الصحية تدهورت بشدة، إلى درجة باتت تهدد حياته بشكل جدي
وقال باسم الطريفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إن نوار : في حالة صحية حرجة للغاية وعلى شفا الموت
ولم يتسن الحصول على الفور على تعليق من إدارة السجن بخصوص حالة نوار الصحية أو ظروف اعتقاله
⬛بين النضال الاجتماعي والقضية الفلسطينية
أمضى نوار نحو عقدين في النشاط السياسي والاجتماعي، محتجا من أجل العاطلين والمهمشين، ومدافعا عن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. ولكنه أيضا من الشخصيات المناصرة بشدة للقضية الفلسطينية
ومع اندلاع الحرب على غزة، زاد نشاطه بصورة كبيرة في دعم الفلسطينيين، ليصبح أحد أبرز الوجوه التونسية المتصدرة لمشهد التضامن مع غزة
وفي العام الماضي، كان نوار من منظمي مبادرة أسطول الصمود العالمي، التي ضمت عشرات القوارب وشاركت فيها شخصيات وناشطون من عدة دول، بينهم الناشطة السويدية جريتا تونبرج
وعندما اعترضت القوات الإسرائيلية القوارب في البحر، ظهر نوار في تسجيلات مصورة وهو يواجه الجنود الإسرائيليين ويرفع صوته احتجاجا قبل احتجازه مع عشرات النشطاء الاخرين في إسرائيل لعدة أيام
وبالنسبة لمؤيديه وكثير من التونسيين، عزز ذلك صورته كرجل شجاع لم يكتف بالحديث عن القضية الفلسطينية، بل وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الجنود الإسرائيليين
⬛ »لا أفهم لماذا اعتقلوه«
في منزل العائلة، تلاشت البهجة وخيم الخوف والقلق كظلين ثقيلين، وجلست والدته حميدة دريدي شاخصة ببصرها أمام صورة كبيرة لابنها، وقالت لرويترز : لا أفهم لماذا اعتقلوه. ابني لم يفعل شيئا خاطئا
كانت تبكي طوال المقابلة، وأضافت لرويترز « قد يموت ابني. سأموت من الحزن على ابني. اختفت الضحكات. واختفى الجو الذي كان يسود عائلتنا
وقال شقيقه نبيل إن القضية المرفوعة ضد أخيه « مفبركة »، وإن دعمه للقضية الفلسطينية ربما جعل السلطات تعتبر نشاطه مصدر إحراج لها
واعتُقل نوار في مارس مع ثلاثة من منظمي أسطول الصمود، هم نبيل الشنوفي، وغسان الهنشيري، وغسان البوغديري، للاشتباه في ارتكابهم جرائم غسل الأموال وسوء استخدام أموال تم التبرع بها
وينفي الأربعة الاتهامات الموجهة إليهم
⬛احتجاجات في شوارع العاصمة
أثار اعتقال النشطاء الأربعة حالة من الغضب. لكن تدهور حالة نوار الصحية جراء الإضراب أدى لاحتجاجات في العاصمة تونس في الآونة الاخيرة، بما في ذلك احتجاج الأسبوع الماضي الذي انتهى باعتقال نحو 14 شخصا خلال ساعات قليلة
وقال الفنان التونسي منير الطرودي خلال الاحتجاج : هو مضرب عن الطعام، والسلطات لا تفعل شيئا… ما يحدث محاولة لقتله
وطالب باطلاق سراح نوار والشنوفي والبوغديري والهنشيري
وفاقمت الاعتقالات التي تلت احتجاج الأسبوع الماضي حالة الغضب وقال نشطاء قالوا إنها دليل إضافي، في نظرهم، على النهج الاستبدادي لنظام الرئيس قيس سعيد
وقال الناشط رمضان بن عمر إن قضية نوار ورفاقه تأتي ضمن ما وصفه بأنه جهد أوسع من جانب الرئيس قيس سعيد « لتجريم النشاط المدني
تمر الدقائق والساعات بطيئة على أسرة نوار والسؤال الذي يشغل الجميع هل سيعود وائل نوار إلى بيته حيا؟
يقول شقيقه نبيل « إذا حدث أي شيء لأخي، فسأحمّل الرئيس ووزارة العدل المسؤولية مباشرة
تقرير لوكالة رويترز،نشر مساء اليوم الإربعاء

