عادت بي الذاكرة الى حكايات جدي »بابا فرج »، رحمه الله، مع صولات وجولات ابنائه في سجون بورقيبة، وما رافقها من معاناة وامراض وتعذيب جسدي ومعنوي كانوا يواجهونه خلف القضبان، وعادت بي ايضا إلى معاناة العائلة مع الزيارات و »القفة »، والوقوف لساعات طويلة تحت الشمس الحارقة في طوابير امام أبواب السجون
الذاكرة رجعت بي كذلك الى سجن شقيقي ناظم وابن عمي رفيق في سجون بن علي، ليلتحق بهما اليوم ابن عمي مراد وقريبي وائل نوار في سجون ما بعد 25 جويلية، حيث يواجهان ظروف احتجاز قاسية، زادت حدتها بالنسبة الى وائل الذي دخل في اضراب عن الطعام منذ اكثر من اسبوعين
وهكذا تجد العائلة الموسعة نفسها، مرة اخرى، امام موعد متجدد مع التاريخ، عنوانه الأبرز: ضريبة الحرية
تذكرت كل هذه الحكايات بسبب ما يتواتر يوميا من اخبار عن وفاة عدد من المودعين بالسجون، في خضم موجة الحر التي تضرب البلاد، وفي ظل ما تشهده المؤسسات السجنية من ظروف احتجاز صعبة واكتظاظ وما يترتب عن ذلك من انعكاسات مباشرة على ظروف الإقامة والرعاية الصحية
هذه الأخبار المتواترة اثارت انشغالا شديدا لدى المنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إزاء التدهور المتواصل لظروف الاحتجاز داخل المؤسسات السجنية وما يمكن ان ينجر عنه من مخاطر تمس سلامة المودعين وكرامتهم وحقهم في الصحة والحياة
وفي ظل هذه الفواجع المتواترة، وما خلفته من احزان وآلام لدى العائلات، في ظل ما تعتبره هذه الأخيرة تعتيما من جانب السلطات، تتصاعد الأصوات الحقوقية في تونس مطالبة بتدخلات عاجلة وجدية من مختلف الجهات المعنية، واتخاذ اجراءات عملية تكفل توفير ظروف احتجازانسانية تحترم التشريع الوطني والمعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتضمن للمودعين حقهم في المعاملة الكريمة والرعاية الصحية الملائمة
ان الأوضاع السجنية الكارثية ليست معزولة عن ازمة اوسع، ترتبط أساسا بالاكتظاظ وتراجع ظروف الإقامة وصعوبات النفاذ إلى الخدمات الصحية، وهي ازمة تستوجب معالجة شاملة تقوم على مراجعة سياسات الدولة المتعلقة بالسجن والإيقاف والحد من اللجوء المفرط الى العقوبات السالبة للحرية
ولعل ما يزيد من خطورة الوضع ان اخبار وفيات عدد من المساجين وتفاقم ظروف الإقامة داخل السجون، تتواتر بعد فترة من حرمان الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وفروعها من ممارسة دورها الرقابي، ومن زيارة المؤسسات السجنية والاطلاع المباشر على أوضاع المودعين، والحال أن هذا الدور يمثل إحدى الضمانات الأساسية للوقاية من الانتهاكات وحماية حقوق السجناء
وفي هذا السياق أيضا، تبرز قضية استقلال القضاء، وما رافقها من ضغوط من شأنها التأثير في استقلالية العمل القضائي، وهو ما انعكس بدوره على واقع الحريات وعلى سياسة الإيقاف والسجن، وهذا في تقديري يستدعي مزيدا من الحرص على احترام قرينة البراءة وترشيد استعمال الإيقاف التحفظي وضمان ان يكون اللجوء إلى السجن قائما على الضرورة والضوابط القانونية
كما يطرح هذا الوضع سؤالا آخر يتعلق بالتعاطي الأمني والزجري مع الاحتجاجات السياسية والنقابية والاجتماعية والبيئية، ومع مختلف أشكال التوترات والاحتقان، فالمعالجة الجدية للأزمات لا تكون بالاعتقال وتعبئة المؤسسات الزجرية، وإنما بسياسات عمومية فعالة تساهم في حل مشاكل الناس والحد من اسباب الأزمات وصون حقوق المواطنين وحرياتهم
ومن هنا، فإن على وزارة العدل احترام التزاماتها المنبثقة عن مذكرة التفاهم المبرمة مع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وتمكينها وفروعها من زيارة المؤسسات السجنية والاطلاع على اوضاع المودعين بها وممارسة دورها الرقابي باعتباره احدى الضمانات الأساسية للوقاية من الانتهاكات وحماية حقوق السجناء
كما أعتقد ان على القضاء الجزائي ترشيد اللجوء الى الإيقاف والسجن وتفعيل العقوبات البديلة كلما توفرت شروطها وخاصة في القضايا الجناحية، فضلا عن الابتعاد عن استسهال إصدار بطاقات الايداع من طرف القضاة بما يساهم في الحد من الاكتظاظ وتعزيز احترام قرينة البراء
ويقتضي الأمر كذلك التعامل مع الزمن القضائي بكثير من الاحترافية والاجتهاد بما يحد من فترات الانتظار الطويلة، إلى جانب تحسين ظروف الإقامة والرعاية الصحية داخل المؤسسات السجنية واتخاذ التدابير العاجلة لمواجهة آثار موجات الحر والحد من مخاطرها على صحة المودعين، وخاصة الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة او اوضاع صحية تستوجب متابعة ورعاية خاصة
على الدولة، إذن، ان تراجع سياساتها المتعلقة بالسجون والإيقاف وان تدرك ان احترام حقوق الأشخاص المودعين بالسجون ليس امتيازا ولا ترفا، وإنما هو التزام قانوني وحقوقي تتحمل مؤسسات الدولة مسؤولية ضمانه
فصون الحق في الحياة والصحة والكرامة لا يسقط خلف القضبان، والسجن، مهما كانت التهم او الأحكام، لا ينبغي ان يتحول الى فضاء للموت البطيء، ولا الى عقوبة تتجاوز ما ينص عليه القانون
صبري الزغيدي

