يعيش أهالي ولاية المهدية منذ سنوات على وقع تدهور متواصل في عدد من الخدمات والمرافق العمومية الأساسية، من الماء إلى الصحة والنقل، وسط غياب حلول جدية وتراجع واضح في الاهتمام الرسمي بمشاغل الجهة وأهاليها
فأزمة التزود بالماء، التي تتجدد كل صيف وتطول فترات انقطاعها لتشمل مناطق عديدة، لم تعد أزمة ظرفية يمكن تبريرها بارتفاع الاستهلاك أو بعودة أبناء الجهة المقيمين بالخارج وتوافد المصطافين. فهذه العوامل موسمية ومعلومة مسبقًا، وما يثير الاستغراب هو أن يتكرر الإشكال نفسه كل سنة دون أن نلمس أي خطة هيكلية واستراتيجية لمعالجته من جذوره، سواء على مستوى الشبكات أو المنشآت أو الصيانة أو الموارد. وليس من المقبول أن تتحول الأعطاب المتكررة وضعف الاستعداد إلى قدر سنوي مفروض على المواطنين
وفي القطاع الصحي، تتفاقم صعوبات النفاذ إلى العلاج وتتردى ظروف الاستقبال والتكفل بالمرضى، وخاصة بالمستشفى الجامعي الطاهر صفر، حيث يواجه المواطن ساعات طويلة من الانتظار في قسم الاستعجالي والعيادات الخارجية، بالتوازي مع النقص المتكرر في عدد من الأدوية الأساسية وأدوية الأمراض المزمنة، بما يمس مباشرة حق المواطن في العلاج وكرامته وسلامته
أما النقل، فلا تزال مناطق داخلية عديدة تعاني ضعفًا شديدًا، وأحيانًا انعدامًا، في الربط مع مركز الولاية ومع بقية الجهات، بما يكرس العزلة ويضاعف معاناة الطلبة والعمال والمرضى وسائر المواطنين والمواطنات
إن ما تعيشه المهدية ليس مجرد تراكم لنقائص تقنية متفرقة، بل هو نتيجة لغياب رؤية تنموية واضحة ولعدم وجود سياسات عمومية قادرة على استباق الأزمات ومعالجة أسبابها الهيكلية. وما يزيد الوضع خطورة أن المشكلات نفسها تتكرر، بينما تتغير التبريرات ولا تتغير السياسات
وفي هذا السياق، يستنكر فرع المهدية للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان غلق باب الحوار من قبل والي الجهة أمام مكونات المجتمع المدني والمنظمات الوطنية والنواب، في وقت تحتاج فيه المهدية إلى حوار جدي ومسؤول حول واقعها الاقتصادي والاجتماعي وأولوياتها التنموية
فإدارة الشأن الجهوي لا يمكن أن تقوم بمنطق الأبواب المغلقة، ولا باختزال العلاقة مع المجتمع المدني في مناسبات شكلية، ولا بالاكتفاء بتمكين بعض النواب المحليين من أداء أدوار دعائية لفائدة السلطة المركزية، بدل تمكينهم من ممارسة دورهم الطبيعي في نقل مشاغل المواطنين ومساءلة السلطة التنفيذية واقتراح الحلول
كما يستنكر الفرع محاولات تحجيم دور نواب الشعب وتصغيره، في الوقت الذي يحاول فيه بعضهم، بجدية ومسؤولية، تقديم مبادرات واقتراحات من شأنها المساهمة في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالجهة. فالنائب ليس مجرد ناقل للخطاب الرسمي، وإنما هو ممثل للمواطنين وصوت للجهة، ومن حقه، بل من واجبه، أن يقترح وينتقد ويسائل ويدافع عن مصالح ناخبيه
إن المهدية لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات والتبريرات، ولا إلى صناعة واجهات إعلامية لتجميل واقع متردٍ، وإنما تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وخطط قابلة للتنفيذ، وإدارة جهوية منفتحة على مختلف الفاعلين، ووضع مصلحة الجهة والمواطن فوق كل اعتبار
إن أهالي المهدية لا يطالبون بامتيازات، وإنما بحقوق أساسية: ماء لا ينقطع، وصحة تحفظ حياتهم وكرامتهم، ونقل يرفع عنهم العزلة، وتنمية توفر فرصًا أفضل للعيش والعمل
ويدعو فرع المهدية للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان السلط الجهوية والمركزية إلى تحمل مسؤولياتها كاملة، وفتح حوار جدي وفوري حول مشاغل الجهة، ووضع برامج واضحة لمعالجة الأزمات القائمة، خاصة في قطاعات الماء والصحة والنقل، بعيدًا عن التبريرات الظرفية والحلول الترقيعية
كما يؤكد أن صبر أهالي المهدية لا ينبغي أن يُفهم على أنه قبول بالأمر الواقع، وأن استمرار الصمت والتجاهل لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة
وإذ يعتبر فرع المهدية للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وكرامة المواطنين مسؤولية لا تقبل التأجيل، فإنه يعلن استعداده للانخراط في كل أشكال النضال المدني والسلمي والمشروع، والعمل مع مختلف القوى الحية بالجهة من أجل الدفاع عن حقوق أهالي المهدية ومصالحهم، وعن حقهم في التنمية العادلة والخدمات العمومية اللائقة
رئيس الفرع
محمد علي المستيري

