بين تجميد الجمعيات وتهميش الأحزاب : محاولة قراءة في « فلسفة » حكم قيس سعيد

قراءة المشهد السياسي التونسي الراهن، بما يتضمنه من تراجع أدوار الأحزاب والجمعيات والمنظمات الوطنية، لا يمكن أن تتم بمعزل عن عنصرين رئيسين يحددان فلسفة السلطة الحالية وهما ، أولا : حرب التحرير التي يعلنها الرئيس قيس سعيّد ضد ما يسميه منظومة الفساد والتآمر و ثانيا : تصوره الخاص للنظام السياسي القائم على : البناء القاعدي

هذان العنصران لا يمثلان مجرد شعارات ، بل يعكسان قطيعة عميقة مع المنظومة السياسية والمؤسساتية التي تشكلت في تونس منذ الاستقلال، وتعززت بعد 2011

والتطورات الأخيرة، وفي مقدمتها تجميد نشاط عدد من الجمعيات والمنظمات، أعادت إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الدولة والأجسام الوسيطة، أي تلك الهياكل التي شكلت تاريخيا فضاء بين السلطة والمجتمع: الأحزاب، النقابات، المنظمات الحقوقية والجمعيات المدنية

ولم يعد الجدل هنا نظريا أو محصورا في السجالات السياسية، بل أصبح مرتبطا بإجراءات ملموسة توحي بأن السلطة بصدد إعادة رسم المجال العام، وفق تصور جديد لموقع هذه الأجسام ووظيفتها وحدود تأثيرها

في هذا السياق، يكتسب خطاب “حرب التحرير” الذي يردده الرئيس قيس سعيّد دلالة أعمق من مجرد مواجهة الفساد أو خصوم سياسيين، فهو يستحضر، بشكل مباشر أو ضمني، لحظة تأسيس الدولة الوطنية بعد الاستقلال، حين قاد الزعيم الحبيب بورقيبة مشروع بناء دولة مركزية قوية، انتهى تدريجيا إلى تكريس الحزب الواحد وتحييد المعارضة السياسية

آنذاك، لم يكن المجال العام قائما على تعددية حقيقية، بل على ما سمي بـ”الجبهة القومية”، أي شبكة من المنظمات الوطنية التي كانت تتحرك ضمن السقف السياسي للحزب الحاكم، الحزب الاشتراكي الدستوري

صحيح أن السياقين التاريخيين مختلفان، لكن التشابه يكمن في تصور الدولة لدورها ولموقع الوسائط الاجتماعية والسياسية داخلها. ففي الحالتين، تبرز فكرة أن وحدة الدولة ومشروعها السياسي يقتضيان الحد من “التشظي” الحزبي ومن مراكز التأثير المستقلة، لصالح علاقة مباشرة بين القيادة السياسية والشعب

ومن هنا، تبدو مراجعة مواقف قيس سعيّد منذ سنة 2011 ضرورية لفهم ما يجري اليوم

فخلافا للصورة التي قُدّم بها سنة 2019 باعتباره “مترشحا بلا برنامج”، تكشف تصريحاته المتراكمة عن تصور متماسك نسبيا للحكم، يتمحور حول فكرة “البناء القاعدي”، أي إعادة تشكيل السلطة انطلاقا من القاعدة الشعبية، خارج الأطر الحزبية التقليدية

لقد اعتبر سعيّد، في أكثر من مناسبة، أن الأحزاب السياسية هي نتاج مرحلة تاريخية تجاوزتها التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وأنها تعيش حالة “احتضار”. كما تحدث صراحة عن ضرورة إيجاد “أشكال تنظيم جديدة” تتجاوز الصيغة الحزبية الكلاسيكية. ورغم تأكيده المتكرر على احترام التعددية وعدم نيته حل الأحزاب، فإنه كان يتوقع في الآن نفسه “اندثارها الذاتي”، بما يعني سحب الشرعية الرمزية منها حتى وإن بقي وجودها القانوني قائما

هذه المفارقة ، الاعتراف القانوني مقابل النزع التدريجي للشرعية السياسية والمعنوية ، أصبحت اليوم أحد المفاتيح الأساسية لفهم علاقة السلطة بالأجسام الوسيطة. فالمسألة لا تتعلق فقط بإجراءات قانونية أو إدارية ضد هذا الحزب أو تلك الجمعية، بل بتحول أعمق في تصور الحكم ذاته: من ديمقراطية تقوم على الوسائط والتمثيل والتوازنات، إلى تصور يميل نحو العلاقة المباشرة بين “الشعب” والسلطة، مع اعتبار الوسائط التقليدية جزءا من الأزمة لا جزءا من الحل

ولعل ما يعزز هذا الفهم أن الرئيس قيس سعيّد، منذ وصوله إلى قصر قرطاج، أظهر تمييزا واضحا بين الأحزاب والمنظمات الوطنية، ففي خطاب القسم يوم 23 أكتوبر 2019، أشاد بالمنظمات واعتبرها “قوة اقتراح”، بينما غابت الأحزاب ، حتى تلك التي دعمته انتخابيا ، بشكل شبه كامل عن خطابه. لاحقا، واصل تحميل “الحسابات الحزبية” مسؤولية ما سماه انهيار الدولة خلال “العشرية السوداء”، في مقابل الحفاظ، لفترة طويلة، على علاقة أقل توترا مع المنظمات الكبرى ذات الامتداد التاريخي والاجتماعي

غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن دائرة الشك لم تعد تقتصر على الأحزاب فقط، بل بدأت تشمل تدريجيا أجزاء من المجتمع المدني نفسه، خاصة عندما يُنظر إلى بعض الجمعيات والمنظمات باعتبارها امتدادا لشبكات نفوذ داخلية أو خارجية، أو كجزء من منظومة ما بعد 2011 التي يعتبرها الرئيس مسؤولة عن تعطيل الدولة وإضعافها

ومن هنا، فإن تجميد نشاط بعض الجمعيات لا يمكن فصله عن هذا المناخ العام، ولا عن مسار سياسي يتجه نحو إعادة هندسة المجال العمومي وفق تصور جديد للشرعية والتمثيل. وهو ما يطرح أسئلة جوهرية تتجاوز اللحظة الراهنة: هل تعيش تونس فعلا أزمة تمثيل دفعت نحو البحث عن نموذج سياسي بديل؟ أم أن البلاد تتجه نحو إعادة تركيز السلطة بشكل يضعف الأجسام الوسيطة ويعيد إنتاج نموذج الدولة المركزية المهيمنة؟

الأكيد أن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف بين السلطة وبعض الأحزاب أو الجمعيات، بل هو تعبير عن صراع أعمق حول طبيعة الدولة نفسها: هل تكون دولة تقوم على التعدد والوسائط والتوازن بين المؤسسات والمجتمع، أم دولة تُختزل فيها الشرعية في علاقة مباشرة بين القيادة السياسية والشعب، مع تراجع متواصل لدور الفاعلين الوسيطين؟

بقلم نورالدين المباركي