السيادة الوطنية، الإعتماد على الذات، لا عودة الى الوراء… عندما تصبح الشعارات عاجزة عن ملء سلة التونسي
1. يبدو أن التونسيون بدأوا يملّون من خطاب السيادة الوطنية والاعتماد على الذات عندما لا يجدون انعكاسه في حياتهم اليومية
فالمواطن لا يقيس السيادة بالشعارات، وإنما يقيسها بما يجده في السوق، وبقدرته على توفير الغذاء لعائلته، وبانتظام الماء والكهرباء، وبقدرته على التنقل والعمل، وبمدى توفر المحروقات والدواء والمواد الأساسية
2. فماذا يعني أن نتحدث عن الاعتماد على الذات بينما يجد المواطن صعوبة في الحصول على بعض المواد الأساسية، وإن وجدها دفع فيها أسعاراً من نار؟
الطماطم الخضراء، على سبيل المثال، أصبحت في بعض الأسواق تناهز أو تتجاوز 3800 مليم للكيلوغرام، وأسعار الفلفل تجازت 4000 مليم. أما الغلال، فحدث ولا حرج: أسعار مرتفعة جداً، وفي أحيان كثيرة لا تقابلها جودة تبررها
هذه ليست مجرد مسألة غلاء أسعار. إنها مسألة قدرة الاقتصاد على توفير الغذاء للمواطن بأسعار معقولة وبجودة مقبولة
3. ثم يأتي ملف الطاقة ليطرح السؤال نفسه بطريقة أكثر إلحاحاً
اليوم، ومع اقتراب إضراب قطاع نقل المحروقات المعلن ليومي 23 و24 سبتمبر، عادت الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين، وكأن مجرد الإعلان عن احتمال توقف يومين في نقل المحروقات يكفي لإحداث حالة من القلق والاضطراب في السوق. والحتال ان الإضراب ما يزال معلناً إلى حد اليوم، مع استمرار المساعي لتجنب تنفيذه
4. لكن السؤال الأعمق ليس فقط: هل سيقع الإضراب أم سيتم تجنبه؟
السؤال هو: لماذا أصبح اقتصادنا بهذه الهشاشة أمام اضطراب محدود في حلقة واحدة من سلسلة التزويد؟
الأخطر أن الأرقام الرسمية في مجال الطاقة لا تسمح لنا بالتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد انطباع
فحسب بيانات المعهد الوطني للاحصاء، بلغ العجز الطاقي الثمانية أشهر الأولى لسنة 2026 8.9 مليار دينار أي نصف العجز التجاري الأولية إلى نهاية جويلية 2026
5. إذن نحن أمام مفارقة تستحق التوقف
نتحدث عن الاعتماد على الذات، بينما تتعمق حاجتنا إلى الخارج في الطاقة وفي الغذاء. تتحدث عن السيادة الوطنية وعجزنا التجاري يتوسع بأكثر من 3 مليار دينار كل سنة، فعل سنسد هذا العجز بالدينار التونسي ؟ الدينار التونسي لا يقدر ان يشتري لنا الحبوب ولا البنزين من الخارج، لا بد لنا ان نتداين من الخارج وبما أننا قطعنا تواصلنا مع صندوق النقد الدولي، فتدايننا من الخارج سيكون أثر كلفة
نتحدث عن السيادة الوطنية، بينما يظل الأمن الغذائي والطاقة والتزويد بالمواد الأساسية نقاط ضعف حقيقية. نتكلم عن السيادة الوطنية وعجزنا التجاري مع الجزائر و مصر يتفاقم من سنة الى اخرى
ونتحدث عن بناء نموذج اقتصادي جديد، بينما يعيش المواطن يومياً مشاكل التزويد والأسعار والنقل والخدمات
6. السيادة الاقتصادية ليست أن نرفض الخارج
السيادة الاقتصادية الحقيقية هي أن تكون لنا القدرة على التفاوض مع الخارج من موقع قوة، لأن اقتصادنا منتج، وطاقتنا مؤمنة، وغذاؤنا متوفر، وصناعتنا قادرة على توفير حاجاتنا الأساسية، واحتياطياتنا من العملة الصعبة تسمح لنا بمواجهة الصدمات
أما أن نعجز عن توفير بعض المواد الغذائية أو نعيش حالة هلع أمام محطات البنزين بمجرد الحديث عن إضراب يومين، فهذه ليست سيادة وطنية ولا اعتماد على الذات
7. فالاعتماد على الذات لا يعني الانغلاق على الذات
بل يعني أولاً أن نمتلك اقتصاداً قادراً على الإنتاج، والاستثمار، والتصدير، وخلق القيمة، وتوفير الغذاء والطاقة والمواد الأساسية، ثم الانفتاح على العالم من موقع اقتصاد قوي وليس اقتصاد هش
8. لقد تعب المواطن من الخطابات الكبرى إذا لم يجد ترجمتها في حياته اليومية
هو لا يريد شعارات أكثر
يريد غذاءً متوفراً وبأسعار معقولة، وطاقة مؤمنة، ودواءً متوفراً، وماءً وكهرباءً منتظمين، ونقلاً لا يتعطل، واقتصاداً يخلق الثروة وفرص العمل
وهنا يجب أن نطرح السؤال الحقيقي
هل نحن فعلاً نبني اقتصاداً أكثر سيادة واعتماداً على الذات، أم أننا نعيد إنتاج هشاشة اقتصادية تتناقض مع الخطاب الذي نرفعه؟
فالسيادة الوطنية لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا
بل بما نستطيع أن ننتجه، وما نستطيع أن نوفره لمواطنينا، وما نستطيع أن نواجه به الأزمات عندما تأتي
رضا الشكندالي

