سمعة تونس وشرفها

خلال حفل موسيقي نظمته إحدى الجمعيات الطبية على شرف ضيوفها القادمين من مختلف دول المغرب العربي انقطع التيار الكهربائي على مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، واضطرت الفرقة الموسيقية إلى إكمال عرضها تحت أضواء الهواتف النقالة. أربك التوقف الاضطراري الجميع، ولم يكن هناك فيما يبدو مولدات كهرباء احتياطية تكفي لإنقاذ الموقف المحرج أمام الضيوف، فاستقر الرأي على أن تٌخصص الكمية القليلة التي يمكن توفيرها من الطاقة للأجهزة الصوتية والمعدات وجزء من القاعة فيما تواصل الفرقة عزفها في جنح الظلام

من المسؤول هنا عن الإساءة إلى سمعة تونس وتشويه صورة البلاد وإخراجها في مظهر رثّ أمام الضيوف؟ ليكن هذا هو السؤال الأول في قضية الحال مجاملة لأولئك الذين بدعوى الدفاع عن سمعة تونس لا يفتحون أفواههم إلا عند طبيب الأسنان أو لذم «العشرية السوداء» أو للتعبير عن السخط والتبرم من الموجات السلبية التي تخلفها لهم مقالاتنا والانتقادات التي نوجهها إلى السلطة لا سيما ونحن نتابعها ونعلق عليها من الخارج ولا يجوز لنا من وجهة نظرهم أن نفعل ذلك! بل ينبغي أن نصمت مثلهم مهما حدث

من قطع الكهرباء عن مدينة الثقافة ؟ وكيف يمكن لهذه المدينة أن تشتغل دون خطة طوارئ لمثل هذه الحالات؟ إذا كانت مشكلتكم مع صورة تونس في عيون الآخرين، فإن قضيتنا الأولى والأخيرة هي صورة تونس في عيون أبنائها، وإن حادثة كهذه تبعث في النفس الحزن والكمد، فمدينة الثقافة لم تحتفل بعد بعقدها الأول، لكنها في ما يبدو تعاني من أعراض الشيخوخة المبكرة. لقد ضاعت وتبخرت كل الأحلام الجميلة التي راودتنا عندما فتحت هذه المدينة أبوابها لأول مرة، فقد تخيلنا أنها ستصبح على مرّ السنين مثل دار الأوبرا في باريس رمزا ومزارا وتحفة من تحف العصر، نباهي بها وتباهي بنا، لم لا؟ لكن وجهة نظر مسؤولي الدولة كانت أكثر تواضعا ولم تتجاوز الرؤية عندهم ميلين! وليس أقسى على الإنسان من أن يشاهد حلما طريا يانعا يغتال بسلاح العجز والفوضى وقلة الكفاءة

إذا كنا قد رضينا -في سياق الخنوع للأمر الواقع- بالدخول نهائيا عصر (تقسيط الماء والكهرباء) الذي كنا نسمع عنه في دول أخرى، فإن مدينة الثقافة هي المكان الوحيد الذي يفترض ألا تنقطع عنه الكهرباء في أي وقت، المكان الذي ينبغي أن تظل الأنوار متلألئة في رحابه على الدوام مهما اشتدت الظلمة خارجه، فثقافة (طفّي الضوء) هي التي تعبّد الطريق أمام الطغيان وتغلّف الاستبداد في ورق «السيلوفان» لتقدمه لنا مثل قطع الحلوى تحت عناوين مغرية جذابة تشبه حصول تونس على مرتبة متقدمة في مؤشر جودة الحياة، أو قول الأمين العام للأمم المتحدة في كل لقاء يجمعه بوزير الخارجية «تونس صوت الحكمة في منطقة المتوسط». بينما يقول واقعنا اليومي عكس ذلك تماما

سمعة تونس في الداخل قبل الخارج مسؤول عليها من هو مكلف بإدارة شؤون الدولة، والمساءلة الحقيقية في غياب أي آليات دستورية للمساءلة ستكون أمام محكمة التاريخ تحت عنوان كبير: لماذا فعلتم كل هذا بتونس؟ لماذا تدمرون كل شيء جميل فيها؟ لماذا في الوقت الذي يبنى فيه الآخرون مدنا وجسورا وطرقات وموانئ في دول أخرى كانت تستلهم مبادئ الحداثة من التجربة التونسية وتقتدي بنا نشاهد نحن الدمار والخراب والعجز وقلة الحيلة، ونموت ببطء شديد على إيقاع ساعة توقفت عقاربها عن الدوران فيما ظلت تكتكاتها تملأ الفراغ بالشعارات الجوفاء؟

عامر بوعزة

الفيديو الأول عندما بدأ الحفل (الوضع الطبيعي قبل انقطاع الكهرباء) الفيديو الثاني كيف واصلوا العزف في ظل انقطاع الضوء