البحر كان أرحم بهم من اليابسة

أربعة فتية… جعلوا من تونس، قبل عام، قبلة للعالم كله

أضافوا إلى سيدي بوسعيد رمزية خرى، من خلال مينائه

الميناء الذي صار، في لحظة من الزمن، بوابة إلى غزة

الميناء الذي انطلق منه أسطول الصمود

كانوا فتية منا وإلينا… يشبهوننا في كل شيء، في ملامحهم.. وحتى في ضحكاتهم… إلا في إرادتهم، التي بدت أقوى من إرادتنا جميعا

أبحروا… ولم تردّهم أمواج البحر… ولا بوارج الاحتلال، ولا كل ما كان ينتظرهم في الجهة الأخرى

هناك، سجنوا… وعذبوا… وعاشوا ما لا ينبغي لفتية أن يعيشوه

لكنهم، عندما خرجوا، كانوا يضحكون

ألم أقل إنهم فتية؟

عادوا إلى البلاد كالأبطال… وكانوا يريدون أن يفتحوا صفحة جديدة من حياتهم، وأن يمضوا نحو مستقبلهم، وهم يضحكون… كأنهم لم يبحروا إلى غزة. كأنهم لم يُقتادوا إلى السجون. كأن أجسادهم لم تعرف التعذيب في مراكز الاحتجاز

ثم، فجأة، تحركت الألسن

من أين جاء المال؟ كيف جمعوا المال؟ كيف أنفقوا المال؟

وكبرت الأسئلة… وكبرت معها كرة الثلج… حتى وجد الفتية الأربعة أنفسهم خلف جدران السجن

فتية كانوا، قبل عام، عنوانا للأمل

صاروا اليوم عنوانا لوجع لا نعرف كيف نفسره

فماذا سنقول لميناء سيدي بوسعيد؟

ماذا سنقول للأمواج التي حملتهم ذات يوم إلى غزة؟

ماذا سنقول للبحر الذي ودّعهم وهم يضحكون، ثم عادوا إلى البلاد أبطالا؟

وماذا سنقول للسجان… في مراكز الاحتلال؟

هل نقول له إنهم كانوا فتية؟

فتية لم يحملوا سوى قيمهم.. وأبحروا بها نحو غزة

ثم عادوا إلينا… ليجدوا أن البحر كان أرحم بهم من اليابسة

نورالدين المباركي