رسالة لكنّ، أنا رفقة الشارني

كنت أعلم أنه سيقتلني يوما ما، كنت أشعر بذلك كلما نظر لي، لكن لا أحد صدّق ذلك، لا أحد مدّ يد العون لي، كنت بحاجة إلى المساعدة، إلى الحماية، مع أني تعلمت حماية نفسي جيّدا إلا أنّني لم أفلح هذه المرّة، ولم تتلقفن أيّة رحمة لا من الأرض ولا من السماء.. لا أحدّثكم عن القانون، حرّاسه كاذبون، شهود زور وقتلة، نعم قتلة

لم يصدّقوا أنّي رأيت دمي في عيون زوجي، ذلك الذي أراد أن يملكني، فلما عجز عن ذلك، قتلني ببساطة.. بدأ الأمر عندما رفضت أن يتمّ ضربي وتعنيفي وتعذيبي والتنكيل بي مرّة أخرى، فأنا لا أريد أن أصبر على جلاّدي، لا أريد أن أصبر على تصورات قيمية ذكورية لي ولجسدي، لا أريد أن أصبر على ميكانيزمات الهيمنة الثقافية والحضارية التي تجعلني ساحة قتال بين مختلف القوى الأبوية المتجذّرة في مجتمعي المنافق، أردت أن أسترجع السيادة على جسدّي المعنّف فالتجأت للقانون، للدولة ومؤسساتها، لكنّ الدولة جهّزت الرصاص لجلادي.. الدولة بكل أجهزتها تستهزأ من قضايا النساء وتتنصل دائما من مسؤوليتها، وتترك القوانين حبرا على ورق

لم يصدّقوا مخاوفي، فمجتمعنا مطبّع حتى النخاع مع كل أشكال العنف ضد النساء، مجتمعنا يتغنّى بـ « الي صبرت دارها عمرت » نصبر على القتل البطيء؟ مجتمعنا يتغنى بـ « وصّلت روحها »، « ماو على خاطر صغارك »، « حتى انت اش لزّك »، يعلم بيه ربي، وبرا كان ضربك

وغيرها من الرصاصات المؤجلة في صدري

لم يصدقوا أنّ منزلي، أكثر مكان يمكن أن أحتمي فيه، أصبح مكانا خطرا على حياتي، على حياة النساء، فتعنيفي وحتى قتلي يرتكبه عادة رجال من العائلة، مجتمعنا يا سادة انهارت منظومته القيمية التي توفر أسس الاحترام والتفاعل الصحي غير العنيف مع الآخر، انهار انهيارا كاملا، فتكرست مفاهيم ملكية الرجال للنساء لدرجة اتخاذ بعضهم قرارا بإنهاء حياتهن كحل لرفض الوصايا عليهن وعلى حياتهن وأجسادهن.
يقولون رفقا بالقوارير، وهم آثمون ومنتفخون بالخطايا، لست المقتولة الأخيرة، فالنساء تقتل كل يوم هنا وهنالك، فطقوس وأدهم لنا تجري في عروقهم، مخطئ من يقول أنّني قتلت بالرصاص فقط، قٌتلت كل يوم مليون مرّة، في كل مكان في مجتمعات أثقلها رصاص الجهل والكهنوت، بعيونهم الحمراء النهمة قتلت في الشوارع، في الجامعات، في المدارس، في الأسواق، في المقاهي،.. وحتى في الجوامع ودور العبادة، أولائك القتلة، كارهي النساء، في كل نبضة من نبضات قلوبهم احتقار للحياة، بين كل رمشة وأخرى من رموش عيونهم احتقار عميق للأنثى، احتقار حملوه في مخيالهم، في ثقافتهم، في رئاساتهم، في برلمانهم، في وزاراتهم، في إعلامهم، في فنّهم، في مسلسلاتهم، على صفحات التواصل الإجتماعي، في شرايينهم، في لغتهم، في نظراتهم، وبين أياديهم.. ارتفع منسوب كراهية المرأة، وتحقيرها، ووصمها وثلبها وشتمها والمسّ‭ ‬من‭ ‬كرامتها، وكانت المرأة دائما في دائرة سهام القتل المعنوي والمادي.. نعم يا سادة لا عدالة للنساء
أيّة رحمة ستنتشل النساء من كل هذا الخراب؟

سيماء المزوغي