كيف تطلبون تعبئة مليارات باسم أصول الشعب، قبل نشر بيان واضح يحدّد الأصول المعنية، وقيمتها، والحقوق التي ستُنقل، وكلفة التمويل، ومصدر الخلاص، وما يحدث عند التعثّر
حين تتحدّث الحكومة عن تعبئة مليارات عبر إصدار صكوك سيادية، فإنّها مطالبة بتفسير العملية للمواطنين قبل ترتيب التزامات على المالية العمومية. المواطن الذي سيتحمّل الفاتورة له الحقّ في الاطّلاع على شروطها قبل توقيعها
الصكوك ليست هبة، ولا تمويلًا بلا كلفة. إنّها أداة تمويل ترتبط بأصول أو منافع أو أنشطة اقتصادية، وتحدّد عقودها حقوق المستثمرين والتزامات الدولة. وقد تشمل هذه الالتزامات دفع عوائد دورية وإعادة شراء الحقوق عند الاستحقاق. لذلك، فإنّ تغيير اسم الأداة لا يلغي عبء الخلاص، وإضافة كلمة «سيادي» لا تمنحها شهادة تلقائية بحماية السيادة
ولا يصحّ أيضًا اختزال الصكوك في بيع أملاك الشعب؛ فالأمر يتوقّف على طبيعة الحقوق التي تنقلها العقود. وهنا تحديدًا تصبح الشفافية شرطًا لحماية المصلحة الوطنية
لتنشر الحكومة بيانًا واضحًا: ما الأصول التي سيستند إليها الإصدار؟ من يملكها قانونًا؟ هل تتعلّق العملية بملكية أم بحقوق انتفاع؟ من قيّمها، وبأيّ منهجية؟ ما كلفة التمويل، بما فيها العوائد والعمولات والمصاريف؟ وبأيّ عملة سيتمّ السداد؟ وما حقوق المستثمرين عند التعثّر؟
هذه أسئلة أساسية لأيّ تصرّف مسؤول في المال العام. ولا يمكن مطالبة الناس بالثقة مع حجب المعلومات التي تسمح ببنائها
وتبرز هنا معضلة جرد الأصول العمومية. فتونس لديها سجلات وأدوات لحصر بعض ممتلكاتها، لكن وجودها لا يثبت اكتمال سجلّ موحّد ومحيّن ومقيّم للأصول العمومية. ومن حقّ التونسيين معرفة مدى تقدّم هذا العمل ونتائجه: ماذا تملك الدولة؟ كم تبلغ قيمة ممتلكاتها؟ ما الذي يُستغلّ منها؟ وما الذي بقي معطّلًا أو ضعيف المردودية؟
صحيح أنّ إصدار صكوك على أصول محدّدة لا يتطلّب انتظار جرد كلّ ممتلكات الدولة. لكنّه يتطلّب، على الأقلّ، إثبات ملكية الأصول المعنية، وتدقيق وضعيتها القانونية، وتقييمها باستقلالية. أمّا غياب الصورة الشاملة لثروة الدولة فيُضعف القدرة على معرفة إن كانت الحكومة تختار أفضل الأصول وأعدل شروط التمويل
ويبقى السؤال الاقتصادي الحاسم : ماذا سنفعل بالأموال؟
إذا وُجّهت إلى أصول منتجة، كالطاقة والمياه والبنية التحتية، ضمن مشاريع مدروسة تخفّض الواردات أو تولّد موارد، أمكن تقييم جدواها ومقارنتها بكلفتها. أمّا إذا استُخدمت لتغطية نفقات جارية دون إصلاح أسباب العجز، فإنّ الدولة تحصل على سيولة اليوم مقابل اقتطاع موارد من ميزانيات الغد
وإذا كان التمويل بالعملة الأجنبية، وجب نشر تقدير لمخاطر الصرف أيضًا؛ فالمداخيل التي تُحصّل بالدينار لا تضمن ثبات كلفة التزامات تُسدّد بالدولار
السيادة تقتضي معرفة ما نملك، وحسن استغلاله، والقدرة على الوفاء بالتزاماتنا دون إضعاف الخدمات والاستثمار. ولهذا يجب أن يكون سجلّ الأصول العمومية والشفافية في التمويل من ركائز إدارة الدولة
أصول الشعب ليست خزّانًا صامتًا لسدّ ثقوب الميزانية. ومن يتصرّف فيها باسم المواطنين، عليه أن يقدّم لهم الحساب: قبل الالتزام، وأثناء التنفيذ، وعند الخلاص
عبدالباسط السماري

