مشروع قانون المالية لسنة 2026 بين الواقع والشعارات

قراءة أولية في مشروع قانون الملية لسنة 2026

1. هل يستجيب هذا المشروع إلى الأهداف الكبرى له وهي التوازن الجهوي، توفير فرص العمل، وتحقيق الكرامة الوطنية؟

– الواقع مقابل الشعارات: رصد المشروع اعتمادات إضافية للجهات الأقل تنمية (10 ملايين دينار) وخطوط تمويل متعددة للتشغيل، إلا أن هذه المقاربة تظل « تجزئية وموسمية » وليست هيكلية. التوازن الجهوي الفعلي لا يُبنى بخطوط تمويل ظرفية، بل بإصلاحات جذرية للبنية التحتية، وجذب الاستثمار المنتج عبر منظومة تحفيز حقيقية، لا عبر التمويل العمومي المحدود

– الكتلة البشرية والتشغيل: مع بلوغ العدد الجملي لأعوان الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية الملحقة 692,702 عوناً، يتبين أن الدولة ما زالت تلعب دور « المشغل الأكبر » والمثقل لأعباء الميزانية، عاجزة عن خلق بيئة استثمارية قادرة على استيعاب حاملي الشهادات وخلق ثروة حقيقية تضمن « الكرامة الفعلية » بعيداً عن الوظيفة العمومية أو القروض الصغرى

2. هل يسهّل هذا المشروع فعلياً في بعث وتمويل المشاريع الخاصة والجماعية؟

– تضخم خطوط التمويل وغياب النجاعة: كثّف المشروع من إحداث خطوط التمويل الموجهة للمؤسسات الناشئة، الصغرى، الطلبة المبادرين، ذوي الإعاقة، والشركات الأهلية (التي راكمت اعتمادات ضخمة تجاوزت 95 مليون دينار بمعزل عن مخصصات هذا القانون)

– معضلة الشركات الأهلية والتمويل الذاتي: التركيز على تمويل الشركات الأهلية بقروض دون فائدة ودون ضمانات بنكية (5 ملايين دينار)، إلى جانب إسناد قروض دون فائدة للشركات الناشئة، يطرح علامات استفهام كبرى حول مخاطر استرجاع القروض ومآل الأموال العامة في غياب دراسات جدوى اقتصادية دقيقة، ما ينذر بتكوين ديون مقيدة غير قابلة للاستخلاص تثقل كاهل البنوك الناشئة (مثل البنك التونسي للتضامن وبنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة)

– إيجابيات حقيقية: في المقابل، تضمن المشروع تسهيلات إيجابية تمثلت في تكفل الدولة بالمساهمة الاجتماعية لباعثي المؤسسات الصغرى بنسبة تنازلية لـ 3 سنوات، وإعفاء المؤسسات جديدة الأحداث والمبادر الذاتي من الخصم من المورد، وهي خطوات تمثل متنفساً حقيقياً للمبادرين شريطة تبسيط الإجراءات الإدارية

3. هل يكرّس هذا المشروع مفهوم « الدولة الاجتماعية الفعلية » ؟

– مسكّنات مالية وليست معالجة جذرية لتكريس الدور الاجتماعي للدولة : لجأت الدولة إلى « إحلال نفسها » مكان المؤسسات العمومية المتعثرة (ديوان الأراضي الدولية، السكك الحديدية، نقل تونس، عجين الحلفاء والورق، الشركة التونسية للسكر، وديوان الطيران المدني) في ديونها تجاه الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، بالإضافة إلى شطب أصل الديون الجبائية. هذا الإجراء يمنح هذه المؤسسات « طوق نجاة » ظرفي ويحمي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من الإفلاس المباشر، لكنه يمثل نقلاً للعبء المالي مباشرة على حساب الخزينة العامة والدين العمومي

– غياب الاستدامة الاجتماعية: « الدولة الاجتماعية » لا تتحقق فقط بإطفاء ديون المؤسسات العمومية المعطوبة بالمال العام، بل بقدرتها على تحسين الخدمات الأساسية (الصحة، النقل، التعليم) وتوفير شبكة أمان حقيقية ومستدامة لا تعتمد على الاقتراض المصرفي المباشر

4. هل يكرّس هذا المشروع العدالة الجبائية والعدالة الاجتماعية ؟

أعباء إضافية على الطبقات المتوسطة والضعيفة: في الوقت الذي منح فيه المشروع إعفاءات ضريبية وامتيازات جمركية واسعة للمؤسسات (مثل إعفاء المواد الأولية لقطاعات الجلود، الأثاث، ومستلزمات التصدير)، لجأ لتمويل الصندوق الاجتماعي والخدمات عبر الترفيع في الجباية غير المباشرة والرسوم الاستهلاكية (كالترفيع في معلوم السفر للخارج إلى 80 ديناراً، والترفيع في معلوم الألعاب والمسابقات إلى 60%)

5. هل يمكّن هذا المشروع من تحقيق الأمن الغذائي والأمن الطاقي والأمن المائي؟

– خطوات إيجابية ولكنها غير كافية

– فلاحياً: رصد 40 مليون دينار لإعادة تكوين القطيع و100 مليون دينار كقروض موسمية واستثمارية لفائدة صغار الفلاحين بمنظومة زيتون هي إجراءات محمودة وموجهة للقطاع الحقيقي، لكنها تظل محدودة أمام شح الموارد المائية وتأثيرات التغير المناخي

– طاقياً وبيئياً: إعفاء البطاريات المعدة لتخزين الكهرباء من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة، وتخفيض المعاليم على اللاقطات الشمسية إلى 10% يمثلان خطوة ذكية ومتقدمة لتشجيع الانتقال الطاقي وتخفيف فاتورة الطاقة المستوردة

– مائياً: خلت المعطيات من استثمارات كبرى هيكلية جديدة للأمن المائي توازي حجم المخاطر الطارئة على مستوى الموارد المائية المتاحة

6. هل تمكّن هذه الإجراءات من تحقيق التوازنات المالية في ميزانية الدولة وتوفير الموارد المقدرة ؟

– فجوة العجز الخطيرة : مع غياب الوثيقة الأهم وهي نتائج تنفيذ ميزانية الدولة على الأقل حتى موفى سبتمبر 2026، وفرضيات ميزانية الدولة لسنة 2027، لا يمكن التكهّن إذا كانت الدولة قادرة فعليا على تعبئة المداخيل الجملية (جبائية وغير جبائية وهبات) التي قدّرتها في هذا المشروع بنحو 54.25 مليار دينار مقابل نفقات بـ 68.89 مليار دينار، مما يبرز عجز هيكلي فادح في الميزانية بنحو 14.6 مليار دينار

– الاعتماد الخطير على التمويل المباشر من البنك المركزي (أو الطاعة العمياء للبنك المركزي): لتغطية هذا العجز وتسديد الديون، يعتمد المشروع بشكل مفرط على الاقتراض الداخلي بـ 19.8 مليار دينار، والأخطر هو اللجوء – للمرة الرابعة على التوالي – إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي بقيمة 9.8 مليار دينار دون فائدة وعلى 15 سنة

– المخاطر التضخمية والمالية: طباعة أو ضخ هذه السيولة الضخمة من البنك المركزي للخزينة العامة (9.8 مليار دينار) دون غطاء إنتاجي حقيقي يوازيها، يحمل في طياته مخاطر تضخمية عالية وتآكلاً لقدرة الدينار الشرائية، فضلاً عن خطر « تزاحم » القطاع الخاص وحرمانه من السيولة البنكية الضرورية للاستثمار. هذا يؤكد أن التوازنات المالية للميزانية هشة ومبنية على مسكنات نقدية لا على تعبئة موارد حقيقية مستدامة

رضا الشكندالي