مسيرة ال400 كم : خذلان السلطة لا يسقط الحق ولاينهي معركة العمل والكرامة

المعطلون عن العمل ودولة الوعود الكاذبة

عندما انطلقت مسيرة المعطلين عن العمل لمسافة 400 كلم من منزل بوزيان في اتجاه العاصمة، كان ذهن اغلب المشاركين خاليا من المرارة والخذلان، بل كانوا شبه متيقنين، خاصة بعد انقضاء نصف المسافة، من ان رئيس الدولة سيعطف عليهم وينصفهم ويفعل القانون عدد 18

في المقابل، كان مشهد الطرد من العاصمة ما يزال ماثلا لدى الاقلية منهم، وهي الفئة التي يبدو انها كانت اكثر تسييسا، وكانت متأكدة بدورها من ان الخذلان ينتظرها مرة اخرى على مشارف العاصمة، وان الدولة لن تفي بوعودها، رغم مشقة المسيرة الطويلة والدماء السائلة من سيقان انهكها السير

وبين الاغلبية والاقلية بون شاسع: بين من يرى في قضيته معاناة يومية انهكته، وحرمانا من حقه في الحياة الكريمة، وطموحا مؤجلا لبناء عائلة او لادخال الفرحة على ابنائه من خلال الحصول على عمل ينهي مأساة طال امدها، وكان يعتقد ان رئيس الدولة سيعطف عليهم بالتأكيد، وبين من يرى، في المقابل، سلطة احترفت التسويف والتنكر لوعودها وربح الوقت، بل واستخدام القمع

الدولة الكاذبة

خلال المسيرة المتوجهة الى العاصمة، اشتغل انصار الرئيس واعوان الامن على اقناع المحتجين بانهم محميون، وان « الفرج ات »، وان نهاية هذا العذاب ستكون على ابواب قصر قرطاج

لكن المشهد بدأ يأخذ منحى مغايرا عندما تم ايقاف المسيرة على مشارف العاصمة من قبل قيادات امنية قدمت نفسها باعتبارها الجهة المفاوضة مع المحتجين، وفرضت منطق « ماو قلنا تونس لا »، بنوع من التهديد المبطن باستعمال القوة اذا ما اصروا على دخول العاصمة

وللاسف، تمكن الامن من فرض هذا المنطق، ليجد جمهور العاطلين عن العمل نفسه مضطرا الى اختيار ممثلين عنه للتوجه الى قصر قرطاج، لا للقاء رئيس الدولة، وانما لمقابلة مستشاره المكلف بالشؤون الاجتماعية

وبعد اقتياد الممثلين الستة الى القصر، ظلوا في الانتظار خارجه قبل ان يتم اعلامهم بانه سيتم الاقتصار على شخص واحد لمقابلة مستشار الرئيس. وهو ما تم فعلا، حيث جرت مقابلة تخللتها العبارات نفسها والوعود نفسها

وكان وقع الخبر شديدا على المعطلات والمعطلين، فامتزجت الدموع بالمرارة والالم وخيبة الامل، بعد مسيرة طويلة قطع خلالها المحتجون مئات الكيلومترات وهم يحملون املا في ان يجدوا اخيرا اذانا صاغية وحلا لقضيتهم

ومن الطبيعي، امام هذا الواقع الجديد القديم، ان ينقسم المحتجون بين من اعتبر ان المسيرة انتهت، وهو ما فرضته السلطة كأمر واقع، وبين من رأى انها لم تنته، وانها لم تحقق الحد الادنى من اهدافها، وان من الواجب مواصلة المشوار نحو العاصمة

غير ان هذه المجموعة فوجئت بتعزيزات امنية تمنعها من استقلال سيارات الاجرة في اتجاه العاصمة، وتفرض عليها العودة من حيث اتت

هل خذلت السلطة المعطلين؟

معلوم ان هذا الحراك الاحتجاجي جاء على خلفية استمرار تعطيل تنفيذ القانون عدد 18 لسنة 2025، رغم مرور نحو عام على دخوله حيز النفاذ، وما رافق ذلك من مماطلة وتسويف وغياب اي تنزيل فعلي لمقتضياته على ارض الواقع

وقد جعل ذلك المعطلات والمعطلين عن العمل يستنكرون ما يعتبرونه تعطلا ممنهجا لحق مشروع اقره التشريع وصادق عليه المسار القانوني الكامل

وسبقت هذه الاحتجاجات تحركات وطنية اخرى انتظمت خلال جوان وجويلية واوت، الى جانب احتجاجات جهوية متعددة، في اطار ضغط وطني متصاعد هدفه الاساسي فرض تنفيذ القانون عدد 18 تنفيذا كاملا وفعليا، دون تجزئة او تحريف

ويعتبر المعطلات والمعطلون انهم لا يعانون مجرد تاخير اداري او اجرائي، بل يواجهون ما تحول، في نظرهم، الى سياسة تعطيل واضحة المعالم، قائمة على ادارة الوقت ضد اصحاب الحق، واستنزاف اعمارهم، ودفعهم نحو الياس او القبول بحلول لا تمت الى القانون بصلة

كما يؤكدون ان اي محاولة للالتفاف على جوهر القانون، سواء عبر تطمينات شفوية او وعود مؤجلة او خطاب فضفاض لا يترجم الى اجراءات واضحة، لن تنهي الازمة، بل ستعمقها

فاصحاب الشهادات المعطلون لم يعودوا يطالبون بتفسير القانون، بل بتنفيذه. وهم يعتبرون ان اي تاخير اضافي في تفعيل القانون عدد 18، واصدار اوامره التطبيقية، واطلاق الياته العملية، سيواجه بتصعيد نضالي وطني مفتوح، تتحمل الدولة بكل مؤسساتها وسلطاتها تبعاته كاملة

انتهاء المسيرة… هل يعني انتهاء القضية؟

حظيت نضالات الشباب المعطل عن العمل بمساندة واسعة وتضامن لافت من جانب المنظمات والاحزاب، باعتبارها قضية وطنية حارقة

وقد حمل المحتجون الدولة، بمختلف مؤسساتها وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والادارية، المسؤولية الكاملة، سياسيا واجتماعيا واخلاقيا، عن كل ما يمكن ان ينجر عن تعطيل تنفيذ القانون من احتقان وتوتر وتصعيد

فالقانون عدد 18 ليس موضوع تفاوض، بل هو واجب التنفيذ. واي سلطة تختار تعطيله، تختار في المقابل تحمل كلفة النضال الذي سيفرضه اصحاب الحق دفاعا عن حقوقهم

ومن الواضح ان السلطة تسعى جاهدة، عبر ربح الوقت والتسويف، الى عزل جمهور المعطلين عن العمل عن المناخ السياسي العام، وعن ربط ملفهم بتوجهات السلطة نفسها، التي لم تتورع عن الاعلان ان رئيس الدولة يبحث جاهدا عن التمويل اللازم لتنفيذ قانون الانتداب

وهنا، في تقديري، مربط الفرس: هل تملك الدولة مخططا ورؤية مسبقة وواضحة ضمن قانون المالية لملف الانتدابات في القطاع العام والوظيفة العمومية؟

لا اعتقد ذلك، فالخبراء لا يختلفون كثيرا في ان السلطة الحالية، التي الغت القانون القديم المتعلق بانتداب اصحاب الشهائد بدعوى غياب التمويلات، لا تملك، ضمن سياساتها الحالية، برنامجا واضحا للانتداب، باستثناء مشروعها المتمثل في الشركات الاهلية

ويعود ذلك، في جانب منه، الى ارادة رئيس الدولة فرض هذا المشروع دون مراعاة كافية للواقع الاقتصادي التونسي، بتشعباته وبنيته وامكاناته

ومن جهة اخرى، لم تغير السلطة الحالية منوال التنمية القديم القائم على العجز عن خلق الثروة، وما تزال متمسكة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها التي اتبعت لعقود، والتي ساهمت في انتاج ظاهرة البطالة وتفاقمها، وخاصة في صفوف اصحاب الشهائد العليا

وهذا الوضع يضع النظام السياسي الحالي امام اكراهات عديدة، في ظل التبعية للدوائر المالية العالمية وتطبيق املاءاتها، بما يحرم الاقتصاد الوطني من هامش استقلاليته، ويدفع نحو تقليص ادوار الدولة الاجتماعية في التشغيل والسكن والتعليم والنقل وغيرها من المسؤوليات الاجتماعية

ويزداد الوضع تعقيدا في ظل الانغلاق السياسي وتراجع الحريات، بما لا يوفر المناخ الملائم للاستثمار وخلق الثروة ومواطن الشغل

الوعي بميزان القوى

على جمهور العاطلين عن العمل ان يدرك ان السلطة الحالية لا تملك، في تعاملها مع هذه القضية، سوى الوعود التي لم تتحول الى اجراءات ملموسة

وعليهم، بعد هذه التجربة القاسية، ان يضمدوا جراحهم، ويعززوا وحدتهم، ويعيدوا ترتيب اوراقهم واولوياتهم، وان يعيدوا تحديد اصدقائهم وحلفائهم وخصومهم على ضوء التجربة التي عاشوها

فالطريق لم ينته بانتهاء المسيرة، والقضية لم تنته بعودة المحتجين من مشارف العاصمة

واذا كان الخذلان قد انهى مسيرة الـ400 كلم، فانه لا يجب ان ينهي النضال من اجل الحق في العمل والكرامة

فالحقوق لا تمنح بالوعود، وانما تنتزع بالنضال، وتغيير موازين القوى يظل رهينا بقدرة اصحاب الحق على التنظيم والوحدة والصمود والتضحية

صبري الزغيدي