فتحية السعيدي توضح أسباب مشاركتها في مسيرة 17 أكتوبر الوطنية

يمكنكم-كن قول ما شئتم ولكن

أعلن بأن لا مصالح شخصية لدي لا مع « البيروقراطية النقابية » ولا مع أي جمعية أو جهة أو طرف خارجي أو داخلي، ولا تهمني غير مصلحة بلادي… بلادي التي ضحى من أجلها أجيال وأجيال والتي ما زال باش يضحي من أجلها آخرين وأخريات

ومصلحة بلادي تجعلني أعلن أنني مع اتحاد الشغل كمنظمة نقابية لها تاريخ مرتبط بتاريخ تونس المعاصر، ومع الاتحاد العام لطلبة تونس كمنظمة انتميت لها ودافعت عنها وأنا طالبة ومع الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات كجمعية انتميت لها منذ نشأتها وتعززت في متنها مقاربتي النسوية التي تمثل جزءا من هويتي الفردية والجماعية. وأعلن بأنني مع النقابة الوطنية للصحفيين فقد درست أكثر من عشر سنوات في معهد الصحافة وعلوم الإخبار ولي بين الصحفيين والصحفيات طلبة أصبحوا أصدقاء وصديقات لي، وأنني أيضا، مع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي تشكل عنوانا بارزا في الساحة العربية بصفتها أولى المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، وأنني مع الأطباء الشبان الذين أرى فيهم مستقبل المرفق العمومي للصحة ومع المعطلين عن العمل الذين يعانون البطالة وقسوة الحياة ومع الفوروم والحركات الاجتماعية التي تدافع عن الحقوق الاقتصادية والاج، ومع عمادة المحامين ودفاعهم عن مرفق العدالة واستقلاليته وتحقيق الأمان القانون والثقة في القضاء

إعلاني هذا يأتي في هذا اليوم ـ أي 15 أكتوبر الموافق لعيد الجلاء، تاريخ وطني له رمزية جماعية ولكن له رمزية ذاتية بالنسبة لي ارتبطت بحرب الجلاء وبلقاء والدي ووالدتي على أرض الجلاء حيث تمّ التعارف بينهما وتمّ أول لقاء أدى فيما بعد إلى زواجهما وإلى إنجابنا، أخوتي-أخواتي وأنا. فقد تعلمت منهما ما يعنيه الدفاع عن الوطن ومحبته، وتربيت على التضحية والصدق والعمل والنضال من أجل تونس الممكنة للجميع… تونس التي تجمع ولا تفرّق… تونس التي تحتضن أبنائها-بناتها وتجعلهم-هن متشبثين-ات بها وبراتبها… علّماني الكثير من المبادئ وتربيت على نبذ التقفيف والتملّق لأي سلطة كانت، سواء داخل المؤسسات العمومية التي مررت وأمر بها أو الجمعيات والمنظمات أو الأطر الحزبية التي انتميت لها أو السلطة التي تحكم

كلمتي هي دائما كلمتي… أقول ما أفكر به وأدافع على مبادئ وقيم أعيش من أجلها… تجربتي الميدانية والحياتية والمهنية المتخصصة في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي تجعلني أميز جيدا بين الغث والسمين، بين المواقف العاقلة والمواقف الانفعالية، بين الصدق والكذب، بين ما يفيد وما لا يفيد وليس من السهل التلاعب بعقلي أو جري إلى مربع الشتم والسحل الرقمي الذي أصبح عملة رائجة على هذه الشبكة دون وعي بأنه يمثل جرائم تقع تحت طائلة القانون

بمعنى آخر، البوصلة واضحة جدا عندي وهي بوصلة يوجّهها العقل وليس الانفعال والغضب. وأعلم جيدا بأنه في زمن الشعبوية فإن « ماعون الخدمة » أي الاستراتيجية الاتصالية للشعبوية مبنية على الخطاب الهلامي وعلى استثمار الغضب وخلق سرديات مبنية على العواطف واستثارتها من أجل تحويل وجهة الرأي العام، ولذا يمكن للكثيرين-ات مواصلة ترويج الأكاذيب من أجل إحباط العزائم وفرملة الفعل المدني-الاجتماعي ولكن لا يمكن لأي منهم-منهن في قرارة أنفسهم-هن عدم اعتبار المطالب الاجتماعية والمدنية غير مشروعة أو « خيانة موصوفة » ولا يمكن اعتبار النضال من أجل تحقيقها لا يدخل ضمن خانة الاستحقاق الوطني

بإمكانكم-كن شتم وسب اتحاد الشغل والمنظمات الحقوقية والمدنية ولكن لا يمكنكم-كن إلغاء أدوارها ووجودها وانغراسها المجتمعي وضرورة وجودها في الساحة العامة… فالدولة لا تدار فقط بالمؤسسات العمومية ولكن أيضا، بالمجتمع المدني والمنظمات الوطنية كشركاء في إدارة الشأن العام… قولوا ما شئتم… صفّوا حساباتكم-كن الذاتية أو الجماعية أو حتى الموضوعية ولكن تونس المتنوعة والمتعددة ستظل قائمة كما هي مهما انحسر الفضاء العام، ومهما ارتفع منسوب انتهاك الحقوق والحريات

حججكم ضعف بريقها وتمت تعريتها، والسياسة تقاس بالمنجز وليس بالكلام والوعود… فغلاء المعيشة يمس اليومي وجيوب التوانسة، فقدان الأدوية يمس المرضى وعائلاتهم… اكتظاظ النقل وساعات الانتظار يمس كل المنتفعين من هذه الخدمة… ارتفاع العنف على أساس الجنس ومنسوب الجرائم يمس النسيج الاجتماعي، التمييز والعنصرية يمس النساء وذوي-ذوات البشرة السوداء، التلوث البيئي يمس المواطنين-ات، سجن الحرية والرأي يمس السجناء والمساجين والسجينات على خلفية كلمة-تدوينة-نشاط مدني أو سياسي أو نقابي أو عمل صحفي وعائلاتهم-هن ويثقل المناخ العام وينعكس على الجميع ويخلق مزاج عام قابل للانفجار في أي لحظة، لذا فهو يمس المجتمع برمته… الخ

كل هذه الأمور مرتبطة ببعضها وبسياسات عمومية أو جزائية، إما غير ناجعة أو غير موجودة أو متعثرة تحتاج المراجعة… فبحيث، قولوا ما شئتم ونمّقوا الشعارات الفضفاضة ولكن كل تونسي-ة حتى وإن انغمس في اليومي فهو يشعر بالثقل ويفهم ويميز… ربما يصمت عجزا أو خوفا… ربما يتخذ موقف المشاهد في محاولة لحماية نفسه وعائلته من ظلم قد يلحق به ولكن هذا لا يعني أن « البرمة لا تغلي »، بالعكس تماما… وحتى لا تنفجر البُرمة فإن مسيرة 17 أكتوبر السلمية صوت يحتاج أن يُسمع ويطلب التفكير في المطالب وتحقيقها، وينادي بحلحلة الأوضاع… وفي النهاية كل فرد-مواطن(ة) يمارس ما يليق به وما يعبّر عن ذاتيته وسلوكه ورؤيته للسياق الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي… فالتنوع والتعدد خاصية اجتماعية لا مفر منها والحرية هي الأصل في الأشياء والقمع استثناء وقوس لا يدوم مهما طال الزمن أو قصر

فتحية السعيدي