حاورته أول مرة في شهر أفريل العام 2011. قبل ذلك كان مجرد التلفظ باسمه أمرا يجلب الكثير من المتاعب، في ذلك اليوم الذي زار فيه أحمد نجيب الشابي روضة آل بورقيبة ليتلو الفاتحة على روح الزعيم الخالد انتقل مباشرة إلى الإذاعة. استُدعيتُ على عجل إلى مكتب المدير لإجراء حوار قصير معه عن زيارته تلك، وعن تصوره للحياة السياسية بعد سقوط النظام الذي كان يعارضه. قال الشابي ردا عن سؤال طرحته عليه بخصوص علاقته مع النهضة : «إن جبهة 18 أكتوبر قد دخلت التاريخ، وإن الإسلاميين أصبحوا الآن خصوما سياسيين، وإن التحالف الذي جمعه بهم في مقاومة الاستبداد قد انتهى
لم يدم اللقاء طويلا، غادرت المكتب يرافقني مسؤول الإعلام في الحزب الديمقراطي التقدمي، كان مثل أيّ مسؤول نافذ له سلطة معنوية على الإذاعة يريد الحصول فورا على نسخة من التسجيل قبل بثه! لقد أوحت تلك الزيارة بأن هذا الحزب يتأهب للحلول مكان التجمع، ولذلك استقبل بحفاوة كبيرة لدى قطاع عريض من المجتمع شعاره «الله ينصر من صبح»، وسال لعاب المدير ورقصت عيناه فرحا، لاعتقاده بأنه يجالس الرجل الذي سيصبح بعد شهور قليلة رئيسا للجمهورية
في ذلك الوقت كانت مياه غزيرة قد بدأت تتدفّق تحت الجسور: تأجلت الانتخابات إلى الخريف، تكونت مئات الأحزاب والجمعيات المساندة لها، واتخذت الأحداث منحى تصاعديا في اتجاه «محوِ ما سبق» وإعادة تأسيس الدولة. وكان واضحا أن طلاّسة «الثورة» ينبغي أن تمحو أيضا في طريقها بعض معارضي النظام السابق لا أعوانه فقط! ينبغي أن تفترس كل من لم يدخل «دار أبي سفيان»، هكذا أصبح الشابي في مرمى النيران، وبعد أن كان رمزا من رموز النضال حوّله الذباب الالكتروني إلى «رجل متعطّش للسلطة
في 2011 تقلد أحمد نجيب الشابي منصبا وزاريا في أول حكومة انتقالية. كان يدافع عن فكرة الانتقال الديمقراطي المرن ويحذر من الفراغ والمجهول، وهو ما كانت ترفضه الجموع المعتصمة في القصبة، وقد صرّح في أكثر من مناسبة بأنه «يدفع مع حزبه كلفة هذا القرار شعبياً، لكنها تضحية ضرورية لمنع انهيار الدولة»، وضمن هذا المنظور كان إعلانه الانسلاخ من «جبهة 18 أكتوبر» واعتباره الإسلاميين خصوما سياسيين، وفي 2021 تزعم الشابي «جبهة الخلاص» رفضا للإقصاء السياسي والاستبداد، وتحت هذه اللافتة العريضة التقى معهم من جديد
يستسهل البعض وصف الشعب بالجحود والنكران لأنه لم يحترم المكانة الرمزية للمناضلين السياسيين الذين واجهوا بشجاعة نظام بن علي في وقت كان الصمت فيه مفروضا على الجميع. وهذا أمر يجانب الصواب. لقد كان عملا منظما استخدمت فيه أحط الأساليب وأقذرها، حتى تهاوت في شهور قليلة صورة «الرئيس الممكن» أمام شعارات ونعوت يخجل القلم من كتابتها والرجل يقبع في غياهب السجون دفاعا عن المبدأ
عوقب الشابي مرتين: مرة لأنه دافع عن الدولة، ومرة ثانية لأنه دافع عن الديمقراطية. عوقب في المرة الأولى لأنه تبنى النزعة الإصلاحية في مواجهة فكرة «الثورة»، وفي المرة الثانية لأنه تبنى النزعة الديمقراطية في مواجهة فكرة «الإقصاء». في المرة الأولى عاقبه رفاقه الذين آواهم في سنوات الجمر، وفي المرة الثانية عاقبته سلطة قادمة من الفراغ، عوقب في المرتين لأنه رأى ما لم يكن الآخرون قادرين على رؤيته: انهيار الدولة وضياع الديمقراطية!
عامربوعزة

