الحرية والتنمية : تراجع الحريات السياسية والاقتصادية وجه آخر للأزمة التي تعيشها تونس حاليا

عودة على المحاضرة التي قدّمتها في ندوة جمعية المسائلة الاجتماعية تحت عنوان « الحرية والتنمية’ : تراجع الحريات السياسية والاقتصادية: وجه آخر للأزمة التونسية التي تعيشها تونس حاليا

1. أن فهم الأزمة الاقتصادية التونسية يظل ناقصاً إذا اقتصرنا على مؤشرات النمو والتضخم والبطالة والعجز التجاري، من دون التوقف عند التحولات السياسية والمؤسساتية التي عرفتها البلاد. فالأداء الاقتصادي لا يتحدد فقط بالموارد المتاحة والسياسات المالية والنقدية، وإنما يتأثر أيضاً بطبيعة المؤسسات التي تحكم النشاط الاقتصادي، وبمدى احترام القانون، ووضوح القواعد المنظمة للاستثمار، وحرية المبادرة والمنافسة، وقدرة المجتمع على مساءلة السلطة وتصحيح السياسات غير الناجعة

2. ومن هذه الزاوية، تكتسب العلاقة بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية أهمية خاصة في الحالة التونسية، حيث يتزامن خلال السنوات الأخيرة تراجع المؤشرات الاقتصادية مع تراجع مؤشرات الديمقراطية والحرية الاقتصادية

3. فوفق مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة الإيكونوميست ()، بلغ تقييم تونس، بحسب الرقم المتعلق بسنة 2024، 4.71 من عشر نقاط. ويعكس هذا المستوى تراجعاً في جودة الحياة الديمقراطية، وفق منهجية المؤشر التي تشمل العملية الانتخابية والتعددية، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، والثقافة السياسية، والحريات المدنية. ومن المهم التوضيح أن هذا المؤشر لا يصنف الأنظمة على مقياس ثنائي بسيط بين الديمقراطية والاستبداد، بل يعتمد درجات وفئات محددة؛ ولذلك فإن دلالته الأساسية تكمن في تراجع مستوى الأداء الديمقراطي، لا في الرقم وحده

4. وفي الاتجاه نفسه، تكشف مؤشرات مؤسسة هيريتيج للحرية الاقتصادية عن تراجع قدرة الأفراد والمؤسسات على ممارسة النشاط الاقتصادي ضمن بيئة تتسم بالحرية والشفافية والمنافسة. ويشير تقرير المؤسسة لسنة 2026 إلى حصول تونس على 48.1 نقطة من مائة، مقابل 48.8 نقطة في سنة 2024، مع تصنيف الاقتصاد التونسي ضمن فئة الاقتصادات المقيدة أو المكبوتة اقتصادياً وفق تصنيف المؤسسة. ويرتبط هذا التقييم، من بين عوامل أخرى، بضعف حرية الاستثمار والقطاع المالي، وعدم كفاءة الإطار التنظيمي، وصعوبات سوق العمل، واستمرار تأثير المؤسسات العمومية في بعض الأسعار والأنشطة الاقتصادية. وبصرف النظر عن حدود هذا المؤشر واختياراته المنهجية، فإن مسار درجاته يوفر مؤشراً إضافياً على استمرار الصعوبات الهيكلية التي تواجه المبادرة والاستثمار في تونس

5. وتكمن أهمية الجمع بين هذين المؤشرين في أن تراجع الحرية السياسية والحرية الاقتصادية في الوقت نفسه قد يضعف الشروط المؤسساتية اللازمة لتحقيق التنمية. فالحرية السياسية، عندما تقترن بمؤسسات فعالة ومساءلة حقيقية، تساعد على كشف الأخطاء في السياسات العامة، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، والحد من مخاطر احتكار السلطة. أما الحرية الاقتصادية، فلا تعني غياب الدولة أو التخلي عن دورها الاجتماعي، وإنما تعني وجود قواعد واضحة ومستقرة، وحماية الحقوق والملكية، وتكافؤ الفرص، وإمكانية إنشاء المؤسسات والاستثمار والمنافسة دون عوائق إدارية غير مبررة. وعندما تتكامل هذه الشروط، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على جذب الاستثمار، وتشجيع الابتكار، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص العمل

6. ولا يعني ذلك أن الديمقراطية وحدها تضمن النمو الاقتصادي، أو أن تحرير الأسواق كفيل وحده بتحقيق التنمية. فالتجربة التونسية خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي نفسها أظهرت أن التقدم السياسي لا يؤدي آلياً إلى إصلاح اقتصادي ناجح. إذ لم تتمكن البلاد، رغم توسيع المشاركة السياسية والتعددية بعد سنة 2011، من معالجة عدد من الاختلالات الهيكلية، من بينها ضعف الاستثمار والإنتاجية، وتعثر الإصلاحات، واستمرار البطالة خاصة في الجهات الفقيرة، وتدهور المالية العمومية. وقد أشار البنك الدولي إلى أن الانتقال السياسي في تونس واجه ضغوطاً مرتبطة بضعف النمو الشامل والمستدام، وتعثر خلق الوظائف، وعدم استدامة المالية العمومية، وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية. وبذلك، فإن تجربة الانتقال الديمقراطي تبرز أن الإصلاح السياسي، على أهميته، لا يعوض غياب إصلاح اقتصادي قادر على تحويل الحريات والمؤسسات إلى فرص فعلية للنمو وتحسين مستوى العيش

7. لكن إذا كان التقدم السياسي من دون إصلاح اقتصادي عميق لم يكن كافياً لتحقيق التنمية المنشودة، فإن تراجع الإصلاح الاقتصادي بالتزامن مع تراجع الحريات السياسية يثير إشكالاً أكثر تعقيداً. فبدلاً من الاستفادة من المؤسسات السياسية لتصحيح السياسات الاقتصادية، ومن المنافسة الاقتصادية لتحسين الإنتاجية، قد يؤدي ضعف المساءلة وعدم استقرار القواعد وتزايد تدخل الإدارة في النشاط الاقتصادي إلى إضعاف الثقة والمبادرة الخاصة. كما أن غياب الحوار الفعلي حول الإصلاحات قد يجعل القرارات الاقتصادية أقل قدرة على الاستجابة لحاجات المؤسسات والمواطنين، ويزيد صعوبة بناء توافق اجتماعي حول الإجراءات الضرورية، ولا سيما عندما تكون لهذه الإجراءات كلفة اجتماعية قصيرة الأجل

8. وتبرز هنا مفارقة أساسية في المسار التونسي: خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، لم يتحول الانفتاح السياسي إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية بالحجم الذي انتظره التونسيون؛ أما في المرحلة الحالية، فإن استمرار الاختلالات الاقتصادية بالتزامن مع تراجع مؤشرات الحريات يثير مخاوف من إضعاف الآليات التي تسمح بمراجعة السياسات وتصحيحها. فلا يكفي أن ترفع الدولة شعار مكافحة الفساد أو تحقيق العدالة الاجتماعية إذا لم تقترن هذه الأهداف بمؤسسات فعالة، وقواعد شفافة، وقضاء مستقل وناجع، ومنافسة عادلة، ومناخ يشجع الاستثمار والإنتاج. كما أن حماية الفئات الضعيفة لا تتعارض مع حرية المبادرة الاقتصادية، بل يمكن أن تتكامل معها ضمن نموذج يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية

9. ومن ثم، فإن التحدي الذي تواجهه تونس لا يتمثل فقط في اختيار سياسات اقتصادية أفضل، وإنما أيضاً في بناء مؤسسات قادرة على صياغة هذه السياسات وتنفيذها وتقييم نتائجها ومراجعتها. فالتنمية المستدامة تحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها وفعاليتها، لا بمجرد تركيز السلطات؛ وإلى اقتصاد قادر على خلق الثروة، لا على توزيع الندرة والفقر؛ وإلى مجتمع يستطيع مساءلة السياسات العامة والمشاركة في تحديد الأولويات. ومن دون هذه العناصر، يظل خطر استمرار النمو الضعيف والبطالة المرتفعة وتآكل القدرة الشرائية قائماً، حتى لو اتخذت السلطات إجراءات ظرفية لمعالجة بعض الاختلالات

10. إن الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه هو أن الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي ليسا مسارين متعارضين ولا بديلين أحدهما عن الآخر، بل هما مساران يحتاج كل منهما إلى الآخر كي يحقق نتائج مستدامة. فالحرية السياسية من دون إصلاح اقتصادي قد تعجز عن توفير الازدهار الذي ينتظره المواطنون، والحرية الاقتصادية من دون مؤسسات خاضعة للمساءلة وسيادة القانون قد لا تضمن توزيعاً عادلاً لثمار النمو. أما تراجع المسارين معاً كما يحدث خلال السنوات الأخيرة في تونس، فإنه يضيّق المجال أمام تصحيح الأخطاء ويزيد صعوبة بناء نموذج تنموي قادر على الجمع بين النمو والعدالة والحرية. وهذا ما يجعل الأزمة التونسية الحالية أعمق من مجرد أزمة ظرفية في الأسعار أو المالية العمومية؛ إنها أزمة في قدرة المؤسسات الاقتصادية والسياسية معاً على إنتاج تنمية مستدامة تستجيب لتطلعات المجتمع

رضا الشكندالي