بعد الإبقاء على نسبة الفائدة المديرة بدون تغيير في حدود 7%، البنك المركزي يضاعف في نسبة الاحتياطي الاجباري بثلاث مرات من 1% إلى 3% : مخاطر عديدة لهذا الإجراء تهدد الاقتصاد الوطني إن لم يقع التحكّم فيها
1. في يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، أصدر البنك المركزي التونسي المنشور عدد 2026-11 المتعلق بتنفيذ السياسة النقدية، متضمنًا إجراءً مهمًا يتمثل في الترفيع في نسبة الاحتياطي الإجباري الذي يتعين على البنوك تكوينه لديه من 1% إلى 3%، بداية من الأول من نوفمبر 2026. قد يبدو هذا الإجراء، للوهلة الأولى، مجرد تعديل تقني لأحد أدوات السياسة النقدية. لكنه في الحقيقة يطرح أسئلة اقتصادية جوهرية حول أهداف السياسة النقدية، وانعكاساتها على تمويل الاقتصاد، ومدى انسجامها مع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة
2. لماذا يعني الترفيع في نسبة الاحتياطي الإجباري؟ : الاحتياطي الإجباري هو الجزء من الودائع المصرفية الذي يتعين على البنوك الاحتفاظ به لدى البنك المركزي، وفق النسبة والقواعد المحددة قانونًا. وعندما ترتفع هذه النسبة من 1% إلى 3%، فإن البنوك تصبح مطالبة بتجميد موارد إضافية لدى البنك المركزي. فعلى سبيل المثال، إذا بلغت الودائع الخاضعة للاحتياطي الإجباري مليار دينار، فإن المبلغ المطلوب يرتفع من 10 ملايين دينار إلى 30 مليون دينار، أي بزيادة قدرها 20 مليون دينار. وبالتالي، فإن الترفيع في النسبة بثلاثة أضعاف لا يعني بالضرورة انخفاض القروض المصرفية بالنسبة نفسها، لكنه يفرض قيدًا إضافيًا على إدارة السيولة لدى البنوك، وقد يحد من قدرتها على تمويل المؤسسات والأسر، وبالتالي يعدّ هذا الإجراء أداة من أدوات التشدد النقدي، وانخفاض السيولة لدى البنوك وبالتالي يحد من قدرتها على الإقراض
3. زمن ناحية أخرى، يبدو أن البنك المركزي أراد من خلال اجتماعه الأخير الترفيع في نسبة الفائدة المديرية قدوة بالسياسة النقدية المتبعة من طرف البنوك المركزية للدول المتقدمة وفي مقدمتهم الفدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي خاصة وأنه في بيانه الأخير لمّح الى مخاطر التضخم المالي في قادم الأشهر وبالتالي فأن الهدف من الترفيع في نسبة الاحتياطي الاجباري قد يكون الآلية غير المباشرة للبنك المركزي للحد من السيولة البنكية للتقليص من الضغوط التضخمية خاصة وأن البنك المركزي يعتمد على مقاربة الطلب وليس العرض في مقاومة التضخم المالي
4. لكن البنك المركزي يقر في بيانه أن مخاوفه من ارتفاع التضخم ناجم عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والمواد الأولية ولم يشر الى ارتفاع الطلب.وبالتالي فإن تقليص السيولة المصرفية بالرترفيع في نسبة الاحتياطي الاجباري لا يمكنه أن يحد من التضخم المالي بل يزيد في أوجاعه، فهو يقلّص القدرة على الإقراض لدى البنوك ويسهم في تراجع الاستثمار الخاص وفي شل ديناميكية النمو الاقتصادي
5. المفارقة الأكبر- الدولة تقر قروض الشرف دون فوائد، والبنك المركزي يشدد شروط السيولة- : تزداد أهمية هذه المسألة عند ربط منشور البنك المركزي بسياسة الدولة المتعلقة بقروض الشرف دون فوائد. فمن جهة، تسعى الدولة إلى تسهيل النفاذ إلى التمويل لفائدة الأفراد وأصحاب المشاريع، من خلال آلية تهدف إلى تخفيف كلفة الاقتراض ودعم المبادرة الاقتصادية.ومن جهة أخرى، يرفع البنك المركزي نسبة الاحتياطي الإجباري، بما قد يزيد الضغط على السيولة المصرفية ويحد من الموارد المتاحة لتمويل بقية الأنشطة الاقتصادية
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للدولة أن تدعو البنوك إلى توسيع التمويل لفائدة فئات معينة، في الوقت الذي تتخذ فيه السلطة النقدية إجراءً قد يجعل التمويل المصرفي أكثر تقييدًا؟
صحيح أن قروض الشرف تُموّل، وفق الآلية المعلنة، من مخصصات مرتبطة بأرباح البنوك السابقة، في حين يُحتسب الاحتياطي الإجباري على أساس الودائع الخاضعة له. وبالتالي، لا يتعلق الأمر بالضرورة بالمورد المالي نفسه
لكن هذا الاختلاف المحاسبي لا يلغي احتمال وجود توتر اقتصادي بين السياستين. فالبنك الذي يُطالب بتخصيص جزء من أرباحه لتمويل قروض دون فوائد، ويُطالب في الوقت نفسه بالاحتفاظ بنسبة أكبر من موارده لدى البنك المركزي، قد يجد نفسه أمام قيود إضافية في إدارة السيولة وتخصيص التمويلات
6. يتمثل الخطر في أن يؤدي تشديد شروط السيولة، بالتزامن مع الالتزامات التمويلية المفروضة على البنوك، إلى زيادة المنافسة على الموارد المالية المتاحة. وفي هذه الحالة، قد تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة صعوبات أكبر في الحصول على قروض لتمويل الاستثمار
كما يمكن أن يصبح التمويل أكثر كلفة أو أقل توافرًا، إذا قررت البنوك تعديل شروط الإقراض أو إعادة توزيع مواردها بين مختلف فئات الحرفاء. وإذا حدث ذلك، فإن السياسة الرامية إلى دعم المبادرة الاقتصادية من خلال قروض الشرف قد تجد نفسها محاطة بسياسة نقدية أكثر تقييدًا، بما يحد من الأثر الإجمالي المنتظر من هذا الإجراء
7. الترفيع في الاحتياطي الإجباري هي هندسة هندسة مالية غير معلنة لتمويل ميزانية الدولة لسنة 2027 على حساب الاستثمار الخاص
لا يمكن فصل أي قرار متعلق بالسياسة النقدية والسيولة المصرفية في تونس عن التحديات الكبرى للمالية العمومية، وتحديدًا قانون المالية لسنة 2027 الذي يواجه ضغوطات هيكلية غير مسبوقة لتعبئة موارد التمويل الداخلي والخارجي. فهل يعكس هذا الإجراء رغبة أو نية ضمنية لتوجيه السيولة المصرفية نحو تمويل الدولة؟
فعندما يرفع البنك المركزي نسبة الاحتياطي الإجباري، فإنه يجبر البنوك على تجميد جزء من سيولتها لديه. غير أن هذا الإجراء، في سياق ضغوط الميزانية، يمكن قراءته من زاويتين متداخلتين
– التحكم في الكتلة النقدية للحد من التضخم الممول للدين: قد يُنظر إليه تقنياً كأداة لتقييد قدرة البنوك على التوسع في الإقراض الاستهلاكي، مقابل توجيه الموارد المتبقية نحو الأوعية الأكثر أماناً، وهي السندات والرقاع الحكومية
– إعادة تشكيل هيكل توظيفات البنوك: في ظل صعوبة النفاذ للأسواق الدولية وشح التمويلات الخارجية، تصبح البنوك المحلية الممول الأبرز لعجز الميزانية. تجميد جزء من الودائع قد يدفع البنوك إلى إعادة ترتيب أولوياتها، حيث يصبح الاكتتاب في سندات الدولة خياراً أقل مخاطرة مقارنة بتمويل القطاع الخاص في مناخ أعمال غير ملائم
غير أن هذا التمشي، إن صحّت قراءته كآلية غير مباشرة لتأمين السيولة لتمويل نفقات الدولة، يحمل في طياته مخاطر حارقة تتمثل في مزيد من مزاحمة القطاع الخاص في التمويل وإجبار البنوك على تخصيص جزء متزايد من مواردها لتمويل الدولة، بالتزامن مع تجميد الاحتياطي الإجباري وقروض الشرف، وهذا سيلغي تدريجياً أي قدرة تمويلية متبقية للمؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة
وعندما تمتص الخزينة العامة الجزء الأكبر من السيولة المتاحة، يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة؛ إذ ينكمش الاستثمار الخاص، فتتراجع الإيرادات الجبائية للدولة، وتزداد الحاجة أكثر للاقتراض، مما يضاعف من تكلفة خدمة الدين العمومي
لذلك، فإن استخدام الأدوات النقدية (كالاحتياطي الإجباري) كصمام أمان غير معلن لتمويل الميزانية قد يوفر حلاً ظرفياً لخزينة الدولة لسنة 2027، لكنه يهدد بتجفيف شرايين الاقتصاد الحقيقي على المدى المتوسط
8. نحو سياسة اقتصادية متكاملة : إن قرار الترفيع في نسبة الاحتياطي الإجباري إلى 3% يثبت مجددًا أن الخيارات الاقتصادية في تونس تحتاج إلى رؤية شمولية مشتركة. فلا معنى لإعلان برامج اجتماعية لتسهيل التمويل وقروض الشرف، بينما تُقيد السيولة المصرفية بسياسات انكماشية قد تجعل الحصول على الائتمان الاستثماري أكثر صعوبة وكلفة بالنسبة للمؤسسات الصانعة للقيمة والثروة. فالسؤال الجوهري الذي يطرحه الواقع الاقتصادي اليوم بإلحاح: متى ستتخلى مؤسسات الدولة عن العمل في جزر متفرقة، لتنتظم ضمن استراتيجية وطنية موحدة توازن بين كبح التضخم، وضمان سيولة الاقتصاد، وحماية ديمومة المؤسسات المنتجة؟
رضا الشكندالي

