مظاهرات التلاميذ في فرنسا، تثير لدى قطاع عريض من الرأي العام في تونس الكثير من مشاعر الحسرة، والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي في مجملها تشيد بالنضج السياسي الذي أبداه المتظاهرون وبقدرتهم على رفع سقف مطالبهم عاليا والذهاب بها إلى حدّ انتقاد أداء الوزراء والدعوة إلى إصلاحات سياسية عميقة، التعليقات منبهرة أيضا بجلوس المسؤولين الحكوميين في فرنسا إلى ممثلين عن الشباب المدرسي الغاضب حول طاولة حوار، وهو ما لا يحدث عندنا في ظل لغة العصا المفروضة فرضا على الجميع
في الوقت ذاته التقط الإعلام الغربي صورة الأم التونسية التي جرّت ابنها جرّا إلى السيّارة وهي تلطمه على قفاه لمنعه من مشاركة أقرانه احتجاجاتهم. صورة تضمّنت رسالة مفادها أن الأسرة العربية المهاجرة ضد مواجهة السلطة، وإذا حدث تخريب فهي منه براء! لا سيما وفرنسا تعيش على وقع معركة انتخابية حامية الوطيس تتّخذ من مسألة المهاجرين ومدى اندماجهم في النسيج المجتمعي للجمهورية وقودا لها كالمعتاد
ليس هذا مجالا للحديث عن ازدواجية المواقف الغربية، فهي معروفة وقد خبرناها مرارا في مختلف القضايا التي يكون فيها للعرب نصيب، وإلا فأي معنى لصورة الأم تمنع ابنها بالقوة من أن يشارك زملاءه الاحتجاج ضد السلطة؟ لماذا ينبغي أن يستثنى التلاميذ من أصل غير فرنسي من التمتع بالحرية وحق الاحتجاج ورفع الصوت في وجه السلطة؟
التفاعلات في كلتا الحالتين انتقائية، فالانبهار العربي بما يحدث بين تلاميذ فرنسا وحكومتها يتغاضى عن الفوضى التي تكتنف هذه المواجهة وعن الاعتقالات الكثيرة التي حدثت، والانبهار الغربي بصورة أم عربية «محجبة» تمنع ابنها بالقوة من أن يشارك أنداده الاحتجاج يتغاضى عما وراء هذه الصورة من تربية على الخنوع والذل والطاعة العمياء، كل طرف يبحث في الصورة عما يفتقده. نحن نتطلع إلى الحرية وهم يغبطوننا على ما تربينا عليه من ضرب على القفا
الصورة حمّالة أوجه، لكنها تجيب بوضوح عن السؤال الذي يقف وراء حسرتنا، إننا ونحن نتابع أجواء الاحتقان السياسي في فرنسا وما يتراءى في ظلاله من عمق تاريخي يذكر بأجواء ماي 1968، نتساءل عن الأسباب التي تجعل تلاميذنا غير قادرين على الثورة، ولا يفعلون شيئا إزاء الظروف غير الآدمية التي يزاولون فيها الدراسة غير التدمير الذاتي، هنا حيث تسقط جدران المدارس على رؤوس التلاميذ وحيث تنقلب شاحنات النقل الريفي بهم، هنا فقط يمتزج الاعتقاد الشعبي في أن التعليم هو المصعد الاجتماعي النبيل بالبؤس والمعاناة والدم، هنا لا يستطيع التلاميذ قول «لا» وبدل التدرب على الثورة والمواجهة وإنضاج الوعي أصبحوا الهدف المثالي لتجار المخدرات
إذا عرف السبب بطل العجب، فتلك اللطمة على القفا تفسّر كل ما نحن فيه من ذل وهوان، وتختصر تاريخا كاملا من القمع والإذلال. نحن خبرنا الدكتاتورية في بيوتنا ولذا اعتبرناها في المجال السياسي أمرا غير قابل للنقاش! نحن تربينا على العصا في البيت فاعتبرنا عصا الشرطي ضرورة من ضرورات الحياة. في الصورة مفارقة حادة بين الحرية والقمع، بين المساواة والاستثناء، بين الشرق الحائر والغرب الثائر. نحن فقط اللذين تربينا باللطم على القفا، وما نزال نتساءل بسذاجة: هل نحن أهل للديمقراطية!؟
عامر بوعزة

