نحو عمل مشترك ناجع ومفيد لحقوق التونسيات والتونسيين ومكتسباتهم

قد لا نبالغ في القول إن الوضع العام في البلاد بلغ مستويات من الانغلاق والاستبداد تشبه، إلى حدّ ما، أوضاع الدكتاتورية في أزمنة ما قبل الثورة التونسية، بما رافقها من سجون وتعذيب وملاحقات واعتقالات وفرز أمني وسياسي وطرد أو إيقاف عن العمل وعنف في الشارع، وإيقافات بسبب ممارسة نشاط سياسي أو نقابي أو اجتماعي أو حتى بيئي

يأتي ذلك في ظل اعلان الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن إطلاق إطار تنسيقي مشترك في ظل وضع سياسي اتسم بالانغلاق والتضييق وضرب الحقوق والحريات، وفي ظل وضع اقتصادي واجتماعي متفاقم

هذه الدعوة اكدت انفتاحها على مختلف القوى الحية والديمقراطية والفاعلين الوطنيين، بهدف العمل المشترك من أجل أفق وطني جديد يقوم على الحوار والتشاركية، ويحافظ على وحدة تونس ومستقبل أجيالها، وفق البيان المشترك الذي اصدروه

عموما، هذا الإعلان ستكون له تداعيات جيدة على مستوى إعادة البريق إلى العمل المدني والسياسي، وستفتتح أمامه أبوابا لتوجيه رسائل طمأنة إلى التونسيات والتونسيين بهدف خلق موزاين قوى جديدة للضغط على النظام الحاكم نحو تغيير سياساته وتوجهاته العمومية خاصة إذا انخرطت في هذا الائتلاف قوى ديمقراطية وتقدمية واجتماعية أخرى من شأنها ان تخلق ديناميكية سياسية ومدنية، فضلا على وجوب سحب هذا المشهد على الجهات الداخلية للبلاد بتكوين خلايا تنسيق جهوية ومحلية اينما امكن ذلك على الشاكلة المركزية حتى نقلص القليل من ضغط الاستبداد على النضال الديمقراطي والتقدمي والاجتماعي في العاصمة

اعادة رسم موازين القوى السياسية

اعتبر الكاتب الصحفي بدر السلام الطرابلسي أن البيان المشترك الصادر عن الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان يمثل مؤشرا على بداية تحول في المشهد السياسي التونسي، مذكرا بمسار رباعي الحوار الوطني الذي توج بجائزة نوبل للسلام سنة 2015، لكنه يظهر هذه المرة، وفق تقديره، بلهجة أكثر عقلانية وحذرا، بما قد يضع حدا لمرحلة من الانتظار والمهادنة تجاه مسار 25 جويلية

وأوضح الطرابلسي في تصريح لجريدة الشعب أن الرسالة الأبرز في البيان تتمثل في الانتقال من مجرد نقد السياسات والإجراءات التي اعتمدتها السلطة إلى تحميل السلطة القائمة مسؤولية ما اعتبره حصيلة للفشل والأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد خلال السنوات الخمس الأخيرة

وأشار إلى أن البيان لم يعتمد لغة التلميح، بل انتقد صراحة ما وصفه بـ »منطق الإنكار والصوت الواحد »، معتبرا أن الأزمة تجاوزت الصعوبات الظرفية وأصبحت، وفق تعبيره، « نفقا مظلما » يهدد كرامة التونسيين وشروط عيشهم اليومية

وأضاف الكاتب الصحفي أن أهمية البيان لا تقتصر على تشخيص الأزمة، وإنما تتجسد أيضا في الانتقال إلى مستوى الفعل السياسي من خلال الإعلان عن إطار تنسيقي مشترك بين المنظمات الثلاث

واعتبر أن هذا الالتقاء بين مكونات مهنية وحقوقية وازنة يمثل محاولة لإعادة تجميع أجزاء من المجتمع المدني والقوى الديمقراطية، وخلق توازن جديد في مواجهة السلطة القائمة، لافتا إلى أن أهمية هذا التحرك تكمن أيضا في إمكانية استعادة منظمات المجتمع المدني لدورها التاريخي في تونس، وخاصة الدور الذي اضطلعت به قبل الثورة وبعدها في خلق توازن قوى مقابل للسلطة، لافتا إلى أن الإطار المشترك أبقى الباب مفتوحا أمام بقية المنظمات الوطنية الوازنة، ومن بينها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، مشددا في المقابل على أن نجاح هذا المسار سيقاس بقدرته على تحويل الموقف السياسي المبدئي إلى مشروع عملي قادر على توسيع المشاركة المجتمعية وفتح حوار شامل

الطرابلسي رأى أن هذا التحرك يمثل أيضا تحديا للسياسات التي اتبعتها السلطة الشعبوية خلال السنوات الخمس الماضية تجاه المعارضين والمنظمات المستقلة والنقابات، معتبرا أن البيان لا يقتصر على إعلان الرفض لعدد من السياسات الحكومية، بل يعكس، وفق قراءته، انتقالا من موقع الدفاع عن النفس وحماية المقرات والنقابيين إلى المبادرة بالفعل السياسي ومواجهة خيارات السلطة

وأشار إلى أن تركيز المنظمات الثلاث على ملفات تمس الحياة اليومية للتونسيين، مثل الماء والدواء وغلاء الأسعار، يمكن أن يعيد ربط العمل النقابي والحقوقي بالمشاغل الاجتماعية المباشرة للمواطنين، وأن يساهم في تضييق الفجوة بين النخب الحقوقية والنقابية والقواعد الشعبية، وهي فجوة قال إنها استُغلت خلال السنوات الماضية لتهميش الأجسام الوسيطة وتعزيز منطق الحكم الفردي

المطلوب تجاوز رباعي 2013 نحو إطار اجتماعي واسع

من جهته، اعتبر الكاتب الصحفي الفاهم بوكدوس أن الإعلان المشترك للاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الصادر في 3 سبتمبر 2026، يفتح الباب أمام إمكانية بناء إطار اجتماعي ومدني أوسع، يتجاوز تجربة رباعي الحوار الوطني لسنة 2013 ولا يكتفي باستعادة آلياتها

وأوضح بوكدوس لجريدة الشعب أن أهمية المبادرة لا تكمن فقط في توحيد مواقف المنظمات الثلاث، وإنما في إعلانها فتح الإطار أمام « كل القوى الحية والديمقراطية » و »كل الفاعلين الوطنيين »، معتبرا أن تحويل هذا الانفتاح إلى ممارسة فعلية سيكون الاختبار الحقيقي لنجاح المبادرة

وأشار إلى أن تجربة 2013 جاءت في سياق أزمة سياسية حادة، وأسهم رباعي الحوار الوطني آنذاك في إطلاق مسار ساعد على تجاوز الأزمة، قبل أن يتوج هذا الدور بجائزة نوبل للسلام سنة 2015. أما اليوم، وفق بوكدوس، فإن الأزمة تتجاوز بعدها السياسي لتشمل القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والماء والنقل والعدالة الجهوية، إلى جانب الحقوق والحريات واستقلال القضاء والعمل النقابي والمدني والإعلامي

وأضاف أن تداخل هذه الملفات يجعل الحاجة قائمة إلى إطار مجتمعي أوسع، لا يقتصر على المنظمات التقليدية، بل ينفتح على النقابيين والمهنيين والجمعيات والشباب والطلبة والمثقفين والخبراء والحركات الاجتماعية والمبادرات المحلية والجهوية والإعلاميين المستقلين

بوكدوس اكد أن المطلوب ليس إنشاء تنظيم مركزي جديد أو إنتاج تحالف ظرفي ضد طرف سياسي، وإنما بناء شبكة واسعة من القوى المستقلة، تتفق على أرضية مشتركة وتحافظ على خصوصياتها، وتحوّل المطالب الاجتماعية اليومية إلى أسئلة تتعلق بالسياسات العامة ومستقبل البلاد

وشدد على أن التحدي الحقيقي أمام الإطار التنسيقي الثلاثي يتمثل في الانتقال من « الحوار عند الأزمة » إلى قدرة اجتماعية دائمة على التنظيم والحوار والاقتراح والمبادرة، وإعادة قضايا الناس إلى مركز العمل العام

بوكدوس ختم تصريحه بالتأكيد على أن نجاح المبادرة لن يقاس بمدى قدرتها على استعادة تجربة 2013، بل بقدرتها على تجاوزها نحو نموذج أوسع، يجعل من المجتمع شريكا في إنتاج البدائل والرؤى، لا مجرد طرف تتم دعوته للتفاوض حول إدارة الأزمات

نقطة ضوء وسط نفق مظلم

اعتبر رئيس تحرير موقع نواة أيمن الرزقي أن عودة الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى الالتقاء والتوقيع على بيانات مشتركة تمثل مؤشرا إيجابيا جدا، خاصة بعد سنوات من التراجع والانتكاس

وأوضح الرزقي في حديث مع جريدة الشعب أن السلطة، في إطار سعيها إلى ضرب منظمات المجتمع المدني، عملت على استهداف الأجسام الوسيطة وصناعة رأي عام مناهض لهذه المنظمات وللعمل المدني بصفة عامة، بالتوازي مع محاولة صناعة قادة رأي جدد على شبكات التواصل الاجتماعي، قال إن بعضهم يعتمد التشويه والمغالطة والترويج للأخبار الزائفة، فضلا عن شن حملات تستهدف الاغتيال المعنوي والرمزي للمنظمات المدنية

وأضاف أن تشتت هذه المنظمات وعملها بشكل منفرد جعلاها غير قادرة على التصدي بفاعلية لهذه الهجمة المتواصلة منذ سنوات، معتبرا أن عودتها إلى الجلوس معا ومحاولة تقديم رد مشترك على حالة الوهن التي أصابت المجتمع المدني، وعلى ما وصفه بتعميم الرداءة والتطبيع معها في تونس، تمثل « نقطة ضوء وسط هذا النفق المظلم 

الرزقي اكد أن هذه المنظمات قادرة على مواجهة ما وصفه بـ«سيل الرداءة» إذا عادت إلى العمل المشترك والتنسيق والاتحاد، مشددا في المقابل على أن الخطوة الحالية تحتاج إلى مزيد من التوسيع لتشمل بقية مكونات المجتمع المدني

وأشار إلى أن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين تعد، في تقديره، من أبرز المنظمات التي يفترض أن تكون ضمن هذا المسار التنسيقي، إلى جانب الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وغيرها من المنظمات التاريخية التي دافعت عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات الفردية والجماعية للتونسيين

وقال الرزقي إن « تنسيقية المجتمع المدني » أو « الائتلاف المدني » يمكن أن يعود إلى الواجهة من خلال التحرك المشترك وإصدار البيانات والمواقف الموحدة، معتبرا أن رؤية شعارات النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إلى جانب شعارات الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وغيرها، ستكون مؤشرا على استعادة العمل المدني المشترك

وخلص رئيس تحرير موقع نواة إلى أن هذه الخطوة التجميعية جيدة جدا، لكنها تحتاج إلى مزيد من التدعيم، مؤكدا أن المطلوب لا يقتصر على إصدار البيانات، بل يتطلب الانتقال إلى أشكال أوسع من التنسيق والعمل والتحرك المشترك

إعداد صبري الزغيدي