رغم المحاولات اليائسة للتقليل من أهمية المسيرة الوطنية، فإن معظم المتابعين ووسائل الإعلام أكدوا نجاحها نوعيا وعدديا وقدرتها على إيصال رسائل واضحة إلى السلطة، كما أثبت هذا الحراك امتلاكه مقومات تطوير أدائه وتجويده وتجذيره بما يضمن استمراريته ويعزز فاعليته وتأثيره
لقد وجهت المنظمات الداعية إلى المسيرة رسائل واضحة وبرهنت ميدانيا على احتفاظها بقدرتها على التعبئة والتنظيم وعلى إمكانية توحيد الشعارات وتجميع طيف واسع من القوى المدنية والسياسية، إلى جانب الحركات الشبابية المستقلة رغم الاختلافات القائمة بين مكوناتها، كما أكدت تمسكها بقضايا وطنية ملحة عجز نظام الحكم عن معالجتها وفشله في تقديم ما يطمئن التونسيات والتونسيين بشأن أوضاعهم المعيشية وحرياتهم
وفي المقابل، كشفت هذه المسيرة محدودية البدائل الديمقراطية والشعبية التي تطرحها السلطة وعجزها عن الاستجابة لتطلعات المواطنين، في ظل تواصل تدهور الأوضاع على مختلف المستويات
وبناء على ذلك، تتعاظم المسؤولية الملقاة على عاتق هذه المنظمات بعد هذا النجاح اللافت الذي يمثل محطة نضالية بارزة في تاريخ تونس المعاصر، بالنظر إلى ما أتاحه من تجميع لمنظمات وجمعيات وأحزاب وحركات شبابية مستقلة وشخصيات وطنية اعتبارية حول شعار مركزي يتلخص في الشغل والحرية والكرامة الوطنية، وهو الشعار الذي رفعته الثورة التونسية وقدم الشعب من أجله الدماء والتضحيات وسقط في سبيله الشهداء
وتتمثل أولى مقتضيات هذه المسؤولية في التنبه لمحاولات الاختراق التي قد تسعى السلطة إلى تنفيذها بهدف ضرب وحدة الإطار التنسيقي وإثارة الفتنة وتأجيج الخلافات بين مكوناته، وهو ما يقتضي تعزيز التماسك الداخلي والتصدي لكل محاولات التفكيك وتكثيف النقاش حول مختلف الملفات والقضايا وحسن ترتيب الأولويات فضلا عن المحافظة على دورية الاجتماعات والعمل على مأسستها
ومن شأن ترسيخ هذا العمل المؤسساتي والنضالي أن يحمي نواة العمل المشترك من محاولات الاختراق والتشويش، وأن يعزز استقلالية الإطار التنسيقي وفاعليته كما من شأنه أن يوفر الشروط الضرورية للانكباب على مهمة أخرى لا تقل أهمية عن حماية الوحدة، تتمثل في تطوير البناء التنظيمي والهيكلي لهذا الحراك وتوسيع امتداداته
فلا أحد ينكر أن مسيرة يوم السبت، على الرغم من زخمها وكثافتها النوعية والعددية، تبقى ذات طابع نخبوي ولم تتجاوز بعد دائرة أنصار المنظمات والجمعيات والأحزاب وأصدقائها إلى جانب عدد من المستقلين، رغم رفعها شعارات تمس المواطن التونسي في صميم مشاغله وهواجسه اليومية، وهو ما يطرح تحديا أساسيا يتمثل في نقل أفكار هذا الحراك ومطالبه إلى أوسع الفئات والشرائح الاجتماعية والانغراس في أوساطها وإقناعها بجدوى البدائل الوطنية والديمقراطية والشعبية الممكنة
ويتطلب ذلك إعداد أوراق عمل واضحة ومتكاملة تتضمن برنامجا واقعيا ومقنعا مرفوقا بخطة اتصالية متطورة، يقدم حلولا عملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية التي تتخبط فيها بلادنا، والتي عجز نظام الحكم عن معالجتها، فنجاح الحراك لا يقاس فقط بقدرته على التعبئة والتظاهر بل أيضا بمدى قدرته على بلورة بدائل ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين وتلامس مشاغلهم الحقيقية وتفتح أمامهم أفقا واقعيا للتغيير
وفي تقديري، فإن إقناع التونسيات والتونسيين ببرنامج وطني وديمقراطي وشعبي قائم على العدالة الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إطار تنسيقي متطور ومرن، قادر على الحركة والتفاعل مع المتغيرات. إطار يستطيع تأطير المواطنين واحتضانهم وفتح المجال أمام مشاركتهم الفاعلة وتوجيه نضالاتهم بما يجعلها أكثر تنظيما ونجاعة وتأثيرا
وأعتقد أن إرساء أطر جهوية للإطار التنسيقي تضم مكونات المنظمات والجمعيات والأحزاب نفسها، حيثما أمكن ذلك، من شأنه أن يحقق مكاسب تنظيمية ونضالية مهمة ويمكن لهذه الأطر أن تتولى بالتنسيق مع الإطار المركزي ضبط برامج عملها وتحركاتها الميدانية بما يراعي خصوصيات كل جهة وأوضاعها وإمكاناتها
ومن شأن هذا التمشي أن يفتح آفاقا إلى جانب القضايا الوطنية المشتركة، وهو الاهتمام بالمشكلات المتراكمة وقضايا التنمية التي تعاني منها الجهات، كما سيساهم في كسر مركزية الفعل النضالي وفك الحصار عن العاصمة باعتبارها الفضاء الأساسي للتحركات السياسية والمدنية، وفتح آفاق أرحب للنضال في مختلف أنحاء البلاد بما يعزز الارتباط بالمواطنين ومشاغلهم اليومية ويحول القضايا المحلية والجهوية إلى جزء فاعل من المشروع الوطني المشترك
إن مسيرة يوم السبت تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح ويمكن أن تساهم في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المشهد السياسي بما يعزز القدرة على التصدي للاستبداد الذي استهدف الحريات العامة والفردية وانتهك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
غير أن المحافظة على هذا المكسب وتطويره يقتضيان الانتقال من نجاح التعبئة الظرفية إلى بناء فعل نضالي منظم ومستدام قادر على توسيع قاعدته الاجتماعية وتجديد أدوات عمله وتقديم بدائل واضحة وترسيخ الثقة بين مكوناته من جهة، وبينها وبين التونسيات والتونسيين من جهة أخرى
لذلك، فإن المسؤولية التاريخية تقتضي اليوم حماية وحدة هذا الحراك وتدعيمه وتعزيز قدراته التنظيمية والسياسية، حتى يتحول إلى ديناميكية نضالية مكثفة ودائمة تستمد قوتها من اتساع قاعدتها الشعبية ووضوح مشروعها الديمقراطي والاجتماعي وقدرتها على تجسيد تطلعات التونسيات والتونسيين إلى غد أفضل لبلادنا
صبري الزغيدي

